مرحلة فوضى وفلتان ظلامية سوداء سيطول مداها إذا لم نقرع الأجراس بقلم الصحافي حسن عبد الجواد

أطلقت في مخيم الدهيشة مؤخرا، مبادرة مشروع ” المجلس الشعبي العام للسلم المجتمعي”، والذي يعتبر رؤية مجتمعية متقدمة، في إطار الرد على ما يتعرض له المجتمع الفلسطيني من مخاطر وتهديدات لكيانه ومنظومة وجوده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، والتي تكاد تعصف بكل منظومة القيم والمفاهيم التي دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا من التضحيات والمعاناة على مدى عشرات السنين الماضية، من اجل تعزيزها والحفاظ على مكانتها الثقافية في الشخصية الفلسطينية.
ولا غرابة، فمخيم الدهيشة، اعتاد التصدي لهذه التحديات، واجتراح الحلول للقضايا الكبرى، والإجابة على الأسئلة الموضوعية الصعبة، في زمن يهرب من الإجابة عليها الكثير من القيادات السياسية الرسمية والحزبية والمثقفين أو من يحسبون ويعتبرون أنفسهم مفكرين سياسيين واقتصاديين وأكاديميين، ولهم باع طويل في رصف الكلمات وحروف الأبجدية اللفظية المجردة.
المجلس الشعبي العام للسلم المجتمعي / مخيم الدهيشة نموذجا، ليس مجرد فكرة خاصة بالمخيم أو حتى المخيمات، وإنما فكرة واقعية يمكن العمل بها وترجمتها في كل الجغرافيا الفلسطينية ” مدن، مخيمات، بلدات وقرى”، وهي فكرة وليدة الحاجة والضرورة المجتمعية، التي يشعر بأهميتها كل مواطن فلسطيني، بسبب تداعيات الأزمات وحالة التردي والظلامية التي يمر بها العالم العربي، و غطرسة الإدارة الأمريكية التي تنتهج سياسة حافة الهاوية التي يقودها ترامب في العالم، وسياسة المحاور الإقليمية والدولية، و انسداد الأفق السياسي عربيا وفلسطينيا في المنطقة، وحالة الانقسام في الساحة الفلسطينية التي تزداد تعقيدا وتعمقا.
وهي أيضا، فكرة نهضوية تعبر عن حاجة فلسطينية ملحة لا بد من الإسراع في تنفيذها، بسبب استشراء حالة الإحباط والفشل والأزمة التي يشعر به المواطن الفلسطيني، وتخوفه مما هو قادم من أعاصير ومظاهر الفلتان والفوضى العارمة الممنهجة التي بدا الاحتلال بتصديرها إلى مجتمعنا، وأصبحت تهدد مستقبله. وهي فكرة حية غنية بالمعاني، ولا تقف عند حد، تسبق حدوث الأزمة العامة وتكبح جماحها، وتضع حدا لمخاطر المرحلة القادمة، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، يمكن التأسيس البناء عليها.
وفي النص يمكن قراءة أهم خصائص هذه الفكرة الهامة، والتي تتميز بكونها موضوعية وديمقراطية تستند في نجاحها إلى اللغة الجماعية والتنوع والتكامل، في مواجهة الفردية وسلب الأدوار والهيمنة والفئوية والشخصنة والخصخصة.
قد يكون الذهاب في هذا الاتجاه متأخرا إلى حد ما، ولكنه خيار وحيد لعودة الوعي الجمعي، لاحتضان ما تبقى من إمكانيات وجودية يراهن عليها، فالخيار القائم ستعصف به الأعاصير بالجملة، في عملية إحلال وانحلال جديدة، بدأت بمشروع أوسلو، ستعيدنا بكل أسف إلى أصعب واسوا مراحل التاريخ.
ما هو مطروح ليس مشروعا سياسيا، وإنما مشروعا مجتمعيا، من الممكن أن يشكل حاضنة مجتمعية طبيعية، يعيد الاعتبار لكل ما هو وطني وقومي وإنساني، بمفاهيم تعزز الشراكة والتعددية وتداول السلطة في كل المؤسسات الخاصة والعامة بعيدا عن الفئوية.
هو مشروع واقعي يحتاج إلى استعداديه عالية للعمل، وإرادة و وعي جماعي مسؤول، مشروع ينقذ مجتمعنا من فوضى السوق، ومن مرحلة ظلامية سوداء قادمة سيطول مداها، إذا لم نقرع الأجراس.
إن من يبحثون عن البطولات الفردية، في زمن الجوع والقهر والأزمة والإحباط، ولا يبحثون عن البطولات الجماعية، يريدون تعميق الأزمة وزيادة وتعقيد مركباتها، فهم رغم قدراتهم الفكرية واللغوية، ليسوا أكثر من باحثين عن فتات وبقايا غنائم الحروب، في زمن التردي الثقافي والاجتماعي والهزيمة.

Print Friendly, PDF & Email