المُستَشارون… “لا يصح الا الصحيح”

نبيل دويكات يكتب

أثار قرار الرئيس الفلسطيني بتاريخ التاسع عشر من شهر آب الحالي، والقاضي بإنهاء خدمات جميع مستشاريه جمله واسعة من ردود الفعل والمواقف والتعليقات، أغلبها اتسم بالجدية والترحيب بهذا القرار باعتباره احدى الخطوات الضرورية لمواجهة الفساد وسوء الادارة ووقف استنزاف الموارد وهدر المال العام. وليس مبالغة القول ان المزاج الشعبي العام تنفس بارتياح لمثل هذا القرار، لكونه اعطى دفعة معنوية، وبارقة امل جديدة لكل مواطن بأن هناك نهاية  للفساد وسوء الادارة، او على الاقل بداية النهاية له، مهما بلغت سطوته وغطرسته. وربما اعاد للمقولة الشعبية الدارجة: “في النهاية لا يصح الا الصحيح” بريقها وحيويتها التي فقدتها كثيراً خلال السنوات الاخيرة.

من غير المتوقع ان تتوقف تداعيات هذا القرار خلال الايام، وربما الاسابيع، القادمة، ومعها سوف يستمر الجدل الشعبي، وعلى كل المستويات الاخرى، نقاشاً وبحثاً وتفتيشاً عن القرار وأسبابه، نتائجه، انعكاساته على المجتمع ومؤسساته المختلفة وعلى قدرته على ان يكون الخطوة الاولى الفعلية في مسيرة الألف ميل لمواجهة الفساد، وضبط ايقاع جهد المؤسسات المجتمعية، الرسمية وغير الرسمية، لتنمية المجتمع  وبما يعود بالفائدة المباشرة والملموسة على المواطن والوطن عموماً.

وعلى كل حال، وحتى يأخذ ذلك مداه، فانه لا بد من المساهمة في مجرى النقاش العام في سبيل الوصول الى الالمام العام بكل خيوط هذا الامر، وهذا لن يتم الا من خلال الاجابة على كل الاسئلة التي يطرحها المواطن العادي حول  مفهوم المستشارين. ما الذي نعنيه بمفهوم “المستشار”؟ هل هناك اهمية وضرورة عامة لهذه الوظيفة؟ ما الدور الذي يقوم به المستشار؟ وهل يقدم فعلاً استشارة ذات جدوى؟ ما هي الامتيازات التي يحصل عليها؟ هل هذه الوظيفة موجودة في اعلى سلم الهرم الوظيف والاداري والوطني كالرئاسة؟ وهل هي مقتصرة على الهيئات والمؤسسات الرسمية؟ وغيرها الكثير من التساؤلات التي تخطر في بال كل مواطن. وحتى نبتعد عن المجرد ونناقش الملموس فانه يمكن ابراز عدة امور مرتبطة بذلك.

اولاً: “وظيفة” المستشار ليست سلبية بالمطلق، وربما الانطباع العام السلبي السائد حولها ناتج بالأساس عن بعض الممارسات الخاطئة تجاه هذه الوظيفة. الاصل في الوظيفة ان يكون المستشار خبير ومتخصص ومطلع وقادر على تقديم النصح والاستشارة بصورة تساعد صاحب القرار على اتخاذ القرار المناسب لخدمة الوطن والمواطنين.

ثانياً: المستشار ليس حكراً على رأس الهرم السياسي في الدولة كالرئيس او الملك، بل قد يكون لرئيس الحكومة، للوزراء، لرؤساء الاجهزة والهيئات الحكومية، والسفارات والبعثات الخارجية المختلفة وحتى المدراء العامين وغيرهم في سلم الهرم الوظيفي الرسمي.

ثالثاً: وظيفة المستشار ليست مقتصرة على المؤسسات الرسمية، بل هي موجودة في المؤسسات والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات المحلية والشركات الربحية والتجارية.

رابعاً: قد تكون وظيفة المستشار نابعة من حاجة وضرورة ادارية وعملية تتطلبها حاجات العمل وتنظيمه، وتحسين قدرة الجهات المعنية على اتخاذ القرارات الانسب لخدمة الصالح العام. وقد تكون مجرد غطاء لتوظيف الشخصيات الموالية و/او ارضاء مراكز القوى والنفوذ في الهيئة او المؤسسة.

خامساً: في كل الاحوال لا يجوز ان تكون وظيفة المستشار “فوق كل الوظائف” من ناحية الاجور والامتيازات، حتى وان كان هناك ضرورة لوجودها في أي هيئة فانه لا بد ان تتوافر جملة من الضوابط والمعايير واهمها اجور وامتيازات لا تبتعد كثيراً عن المعدل العادي في الوطن عموماً.

في الواقع القائم، كثيرا ما نسمع همساً ولغطاً حول رواتب وامتيازات المستشارين في الهيئات والمؤسسات المختلفة، وحقيقة دورهم  والخدمات التي يقدمونها للوطن والمجتمع  مقارنة بامتيازاتهم، ولا يقتصر الامر على الحكومة والجهات الرسمية، حتى الشركات الربحية والتجارية ومؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والمنظمات الاهلية والجمعيات لديها ما لديها الكثير مما يقال في هذا المجال، ربما نسمع بين الحين والاخر عن امتيازات لمستشارين واجور تقترب من الارقام الفلكية، ونسمع عن المحاباة وتضارب المصالح واستنزاف موارد المؤسسات والمجتمع عموماً  وشبهات فساد في الكثير من تعيينات المستشارين، ومن لا يجد الامثلة فليفتش جيدا حوله، سيجدها.

اما بعد، فإنني اعتقد ان اهم ما يمكن استخلاصه من خطوة الرئيس بإنهاء خدمات كل مستشاريه هو الدفعة المعنوية التي يمكن ان تشكلها في محاربة سوء الادارة في هذا المجال، هذه الدفعة التي “كسرت” حاجز التساؤل او السؤال عن المستشارين ودورهم في كافة القطاعات والمجالات، وعلى كل المستويات. واذا كان هناك من يرحب ويدعم قرار الرئيس حول مستشاريه فان عليه ان يعمل على تعميمها. كانت تلك هي الخطوة الاولى في مسيرة الألف ميل، ويتبقى علينا تسعمائة وتسعة وتسعون خطوة اخرى.

Print Friendly, PDF & Email