الرئيسية / أفكار / عشرون عاماً على زيارة القديس يوحنا بولس الثاني لتشرع الإنسانيّة أبوابها “لا تخافوا شيئاً”

عشرون عاماً على زيارة القديس يوحنا بولس الثاني لتشرع الإنسانيّة أبوابها “لا تخافوا شيئاً”

بقلم/ الأب إبراهيم فلتس الفرنسيسكاني

صور كنيسة المهد وساحتها الفارغة التي انتشرت هذه الأيام، حملتني بالذاكرة إلى هذا اليوم تحديداً قبل عشرين سنة خلت: تحديداً يوم ٢٢ آذار/مارس عام ٢٠٠٠، عام اليوبيل، عندماحطّ القديس يوحنا بولس الرحال في بيت لحم. لقد كان يوما تاريخيا، بقي عالقاً في قلوب أهل بيت لحم إلى اليوم، لأن زيارته أعادت الأمل إلى الأهالي الذين كانت قد أنهكتهم الانتفاضة الأولى. عندما وصل البابا يوحنا بولس الثاني إلى بيت لحم بالطائرة المروحيّة، أتذكر كلماته الأولى: “هنا، من مريم العذراء، ولد يسوع. فيسوع ومريم هما سبب زيارتي اليوم إلى بيت لحم”. ومثل كل حاج يصل إلى بيت لحم، ذهب بدوره إلى مغارة المهد، وبقي مدّة طويلة جاثياً على ركبتيه يصلّي، كما لو كان يلتقي وجهًا لوجه مع الطفل يسوع، وفي المغارة شَعَرَ بسرّ القداسة الكبير.

لقد نظمنا القداس الإلهي في ساحة المهد، ولن أنسى كلمات قداسته في العظة: “اليوم، نعود بذاكرتنا إلى حدثٍ وقع قبل ألفي عام، أما بالروح نعانق الأمنة جميعها. ورغم أننا مجتمعين هنا في هذا المكان، إلا أننا نحتضن العالم كله. نحتفل بطفل حديث الولادة، لكننا نشدّ على أيدي الرجال والنساء جميعاً في كل مكان. اليوم نعلن بقوة في كل مكان ولكل شخص: “السلام لكم! لا تخافوا شيئا “.

تحضرني هذه الكلمات بشكل خاص اليوم، ٢٢آذار/مارس٢٠٢٠، لأن البلدة القديمة مغلقة! مغلقة تمامًا، لا يمكنك الدخول من أي باب، لا من الباب الجديد، ولا من باب العامود، ولا من باب الخليل، ولا من باب الأسباط، ولا من باب المغاربة، هذه الأبواب المحيطة بالبلدة، في أسوار سليمان القانوني! منذ بضعة أيام، تم أيضاً إغلاق جميع المساجد، وتضييق الخناق على حائط المبكى وكذلك إغلاق الكنائس. على طول الشوارع الضيقة، بالقرب من دير المخلّص والكازانوفا، في قلب البلدة القديمة، في حارة النصارى، يمكنك أن تتنفس جوًا سرياليًا، لا أتذكر مثيلاً له منذ وقت حظر التجول خلال الانتفاضة الثانية. تمّ أيضاً إغلاق جميع المدارس والفنادق والمطاعم. لا يوجد أحد حولها، خيّم على الأجواء صمت غير واقعي، صمتٌ يقلق الجميع، ويبدو وكأننا نعيش مشهداً مروعاً في فيلم سينمائي! لكن الأمر ليس كذلك! إنها الحقيقة المفاجئة التي نشهدها اليوم، بعد عامين استثنائيين شهدا انتعاشاً اقتصاديّاًملموساً، بفضل التدفق المستمر للحجاج من جميع أنحاء العالم، كما لو أن البشرية كلها جاءت إلى القدس، لتصلي وتنظر وتلمس وتتواجد هنا، ولكل من الزائرين توقعاته الخاصة به، وأمله الخاص. وفي غضون أيام قليلة: ساد الصمت!

وبصمت رهيب،تسلّل هذا الوباء الجديد إلى العالم في الألفية الجديدة، وباء فيروس كورونا، غزا بصمت العالم بأسره، ليصبح أسوأ من ذكرى الضربات السبع التي نزلت بمصر في سفر الخروج، وباءهزّ البشرية جمعاء، دون توقف، حتى كاديجبر أممًا كاملة تجثو على ركبتيها، لكنّه ساهم في رفع بعض الحواجز الوقائية، ويدفع البشرية إلى الاتحاد معًا في هذه المعركة المشتركة: إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح، ومواجهة هذا العدو غير المرئي.

مدينة بيت لحم بدورها تعرضت للإغلاق التام منذ أول آذار/مارس، وتم إغلاق جميع الفنادق والمطاعم وجميع الشركات، والمدينة نفسها تم تقسيمها إلى ثلاث مناطق، المنطقة المركزية في بيت لحم، منفصلة عن بيت ساحور، حيث حقل الرعاة وعن بيت جالا. هناك حظر تجول في هذه الأيام، لذا لا يمكن لأحد أن يغادر منطقته ولا يمكن لأي شخص أن يدخل بيت لحم أويغادرها. وقد أدى هذا الوضع إلى رفع مستوى التعاون بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في حالة الطوارئ الصحية هذه، ونأمل أن تكون خطوة أولى نحو السلام. تم إغلاق كنيسة المهد ولمنعد نرى أي شخص في المدينة. كان القديس يوحنا بولس قريباً منّي، خلال إقامتي في بيت لحم، خاصة خلال حصار كنيسة المهد، واليوم نعيش حصارًا أكثر صعوبة، حصار فيروس كورونا، الذي يحتجز العالم بأسره للمرة الأولى في التاريخ الحديث، فأماكن العبادة في القدس مغلقة، تحديداً في هذه المدينة التي ترتفع منها صلوات الناس بغزارة، وحيث ترفع الأديان التوحيديّة الثلاث صلواتها من أجلال بشرية جمعا، مما يجعلها مدينة فريدة من نوعها، لأن القدس الأرضية تتحول إلى أورشليم سماوية: مسكن الله مع البشر.

أرفع ابتهالي إلى القديس يوحنا بولس، ليحمينا ويعتني بنا، ويساعدنا في العثور على القوة عوض الخوف، فلا نقع فريسة الهلع، بل أننشرّع باب الإنسانية صوب عيد الفصح المجيد، لأنه يجب علينا أن نعلن اليوم أكثر من أي وقت مضى وبقوة: لا تخافوا شيئا!