الرئيسية / أفكار / أحمد الكرد.. المناضل الإنساني “العنيد”

أحمد الكرد.. المناضل الإنساني “العنيد”

بقلم/ الدكتور عصام يوسف

رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة

تجاوز اتساع مفهوم العمل الخيري والإنساني في سيرة حياة أحمد الكرد ليصل إلى توازنات فرضها العمل النضالي ضد الاحتلال الإسرائيلي، فأولويات إغاثة المحتاج الذي يعاني المرارين: الفقر والاحتلال، لا تقل ضراوة عن ممارسة العمل السياسي، ففي المحصلة تتسع زنازين المحتل لكل قلب شغوف بحب فلسطين، مستعد لتقديم التضحيات.

العمل الخيري في الحالة الفلسطينية عند الكرد ليس سوى جبهة مفتوحة للنضال من أجل فقراء وأيتام وأرامل شعب ليس أمامه سوى الصمود حتى نيل الحقوق، فللصمود استحقاقات كبيرة يدفعها المناضل السياسي، والمقاتل، والناشط في العمل الخيري على حد سواء.

أدرك الكرد أهمية توظيف أدوات العمل الخيري منذ البدايات، من خلال وعيه لحقيقة أن منطق توازن أطراف المعادلة يثبت بأن من يقارع احتلالاً من نوعية الاحتلال الصهيوني يحتاج صبراً ونفساً طويلين، سيما وأن هذا الاحتلال اغتصب الأرض الفلسطينية حاملاً في ذهنيته الإصرار على البقاء والاستيطان، وتشريد أصحاب الأرض الأصليين، من أجل إحلال الغرباء، ثم التوسع في أرض الجيران متى ما سنحت الفرصة، ليصل في النهاية إلى وضعية المتحكم الأوحد بالمنطقة، وبمقدرات أمة مسلوبة الإرادة، وفاقدة للهوية والحضارة، كما يريدها.

كانت تجارب الاعتقال المتكرر لدى الكرد على أيدي المحتل، جزءً من الكلف التي يدفعها كواحد من أبناء الشعب الفلسطيني، الذي اختار النضال طريقاً لتحرير أرضه ومقدساته، ساعياً خلال حياته إلى العمل على “جبر الكسر” الفلسطيني، بشتى الوسائل، عبر تكثيف الجهود في مجال العمل الخيري، فقد كان مدركاً لعقلية المحتل الهادفة لإضعاف المجتمع الفلسطيني، تمهيداً لاستسلامه، فكلما طال أمد الاحتلال، ارتفعت الكلفة الإنسانية، بزيادة أعداد الأيتام، والأرامل، والجرحى وذوي الاحتياجات الخاصة، والأسرى، والمشردين، واتسعت معها رقعة الفقر والعوز.

حمل الكرد كافة صفات المناضلين “الإنسانيين”، الزاهدين المتقشفين، فرغم تقلده منصب الوزارة، إلا أنه لم يكن يشبه بمظهره صورة الوزير التقليدي التي تحتفظ بها أذهاننا، من أبّهة وميل لشيء من ترف المنصب، فالميل عند الكرد كان للفقراء الذين يمثل معاناتهم في وزارته التي ترتبط من خلال مهامها في رعايتهم وتسيير شؤونهم.

ولم يضف الموقع الذي شغله كرئيس لبلدية دير البلح، سوى التقرّب أكثر من الفقراء الذين لطالما شعر بالمسؤولية تجاههم، فالمناصب بالنسبة للكرد فيها مضاعفة للمسؤوليات الأخلاقية والإنسانية، وليست ذاك البرج العاجي الذي يرى فيه الكثيرون الفرصة للتعبير عن تضخم ما في ذواتهم، فقد كان الكرد مثاراً للإعجاب و”التعجب” في أدائه لمهام عمله كرئيس للبلدية، سيما وأنه كان لا يتردد في الذهاب إلى ذوي الحاجة، العاجزين عن الوصول لمكتبه في البلدية، ليطمئن بأن الأمانة قد تم تأديتها على الوجه الأكمل، فهو من العارفين بثقل عبء الأمانة عند المؤمن بربه ودينه، وبالإنسانية.

جاب الكرد الأرض بطولها وعرضها، بحثاً عن الدعم الإنساني لأبناء شعبه، وحط به الرحال في العديد من الدول التي عاينت زهده بأم عينها، فقد كان يأكل من الطعام أقله وأبسطه، ويتنقل بوسائط النقل التي يستخدمها أبناء البلد البسطاء، كما وجدت فيه المناضل الإنساني “العنيد” في تحمله متاعب السفر هنا وهناك، رغم كبر سنه، والعنيد في اجتهاده لتحقيق غاياته النبيلة في إنقاذ الفقراء من أبناء شعبه الذين يمارس الاحتلال بحقهم كافة أنواع الحروب، من اعتداءات عسكرية، وحصار إجرامي، وحروب التجويع، والتشريد والاقتلاع من أرضهم، والتنكيل والتهميش.

على مدى عقود من العمل المتواصل قضاها الكرد مجدّاَ مخلصاً لمبادئه في خدمة الإنسان، وإيمانه العميق في عدالة قضيته التي خاض من أجلها العمل السياسي، إلى جانب الخيري، ترسخت لديه القناعة والنظرة تجاه وطنه فلسطين، كأرض مقدسة ومباركة، تستحق أن يراكم من أجلها الإنسان الفلسطيني والعربي والمسلم كل جهد ومسعى، فهي أحد الأبواب المؤدية إلى الجنة، و”الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً”.

أما إيمانه بحق شعبه في الحياة الكريمة، فقد كان باعثاً ومحفزاً له في مخاطبة الأشقاء في مختلف البلدان العربية والإسلامية، كي يؤدوا أدوارهم وواجباتهم في وقفة العز والنخوة عبر دعم الإنسان الفلسطيني، من خلال توفير احتياجاته الأساسية للعيش، كي يصمد أمام جلاده، ويكمل طريقه في استرداد حقوقه في أرضه ومقدساته.

مضى الكرد من أجل ذلك في تهيئة السبل لهذه الغايات، وأخذ يحقق الإنجازات تلو الإنجازات، من بناء للمدارس، والمستشفيات، والمراكز الصحية، وتأسيس جمعية “الصلاح” الإسلامية الخيرية، التي باتت من بين المؤسسات الخيرية الفلسطينية الأكثر عراقة، وأصبح الكرد بما حققه من منجزات “مرجعية” للعمل الخيري والإنساني، بل وأحد أعمدة العمل الخيري والإنساني في فلسطين.

وبعبق الروح المفعمة بالطيبة وبالمحيا السمح البشوش، التي تفوح أريجاً في أي مكان يتواجد فيه، لا أزال أذكر نظرته الحانية والعطوفة لكل من يدنو منه ويصافحه، وتواضعه اللا محدود عندما كان يستقبل المتضامنين العرب والدوليين الذين يزورون قطاع غزة ضمن قوافل “أميال من الابتسامات”، تعبيراً عن مؤازرتهم الإنسانية، ووقوفهم إلى جانب الشعب الفلسطيني الذي يعاني الاضطهاد والحصار، بروحه الدمثة والودودة، وبتواضعه منقطع النظير، وبابتسامته التي لم تكن تفارق محياه.

برحيله وهو يقف بين يدي ربه مؤدياً لصلاة التراويح، مساء يوم السبت، في السادس عشر من شهر رمضان المبارك 1441 هجري، الموافق التاسع من شهر مايو 2020 ميلاديا، يكون الشعب الفلسطيني والعالمين العربي والإسلامي، قد فقدوا مناضلاً من طراز مناضلي “الأساطير”، الذين يهبون أنفسهم من أجل الإنسان، حقاً ومفهوماً وقيمةً، وبصبر وثبات يقبضون على مبادئهم كالقابض على الجمر، مهما كان الثمن غالياً، وحتى النهاية.

قبل رحيله بأيام قليلة قاده حسه الإنساني، وخوفه على أبناء شعبه في غزة من تداعيات الحصار الإسرائيلي المستمر منذ ما يقرب 14 عام، وجائحة “كورونا” المستجدة، إلى بحث تشكيل هيئة دولية لدعم القطاع، وإنقاذه مما يحدق به من أخطار، وكارثة إنسانية، ليكون هذا المشروع العظيم- حتى وإن وُلد كفكرة في حياة الكرد- آخر آثاره في العمل الخيري والإنساني.

ستبقى ذكرى الفقيد الكرد خالدة في عقول وقلوب الأيتام والفقراء، وكل مريض أسهم في علاجه، وكل طالب كان له اليد في مساعدته حتى التخرج، وفي ذهن كل عاطل عن العمل كان الكرد ومؤسساته الخيرية سبباً في حصوله على عمل يكسب منه رزقه الحلال، وما خروج الجماهير الغفيرة في تشييعه سوى شهادة على إخلاصه العمل لله وللناس، نسأل الله أن يكون جمع شفاعة له عند البارئ جل علاه.

رحم الله أحمد الكرد، الأخ والصديق، والمناضل، والزميل في ميادين العمل الخيري والإنساني، برحمته الواسعة وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى، وأدخله الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب، وجمعنا به بصحبة المصطفى (صلى الله عليه وسلم).