الرئيسية / أفكار / الاحتلال والتوظيف الأمني للإعلام الناطق بالعربية صفحات المنسق نموذجاً بقلم الإعلامي خالد الفقيه

الاحتلال والتوظيف الأمني للإعلام الناطق بالعربية صفحات المنسق نموذجاً بقلم الإعلامي خالد الفقيه

منذ احتلال العام 1967 تنبه الاحتلال لأهمية مخاطبة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بلغتهم فعمل على مسارين تمثل الأول بالسماح للفلسطينيين بإصدار صحف فلسطينية وفق شروطه وتحت رقابته –وسبق ذلك جدل فلسطيني داخلي وتنظيمي على الموافقة من عدمها حتى حسم الأمر- بإعطاء الموافقة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل على إصدار صحف تحت الاحتلال مع اليقين بأن الاحتلال بسماحه بذلك كان يرمي لتحقيق عدة نتائج ومنها على سبيل الذكر قراءة العقل الفلسطيني وحصر توجهاته الفكريه في إطار من الرقابة والإجازة العسكرية لما ينشر وفرض بعض البيانات والمواد على الصحف لنشرها من قبل الرقيب العسكري المرتبط مباشرة بالمخابرات الصهيونية تحت وطأة مقص الرقيب وعقوباته المبنية على الأوامر العسكرية التي تنوعت بين الإغلاق للصحف ومنع توزيعها أو طباعتها أو توفير الصيانة والملاحقة والاعتقال والقتل وغيرها، فيما رأى الفلسطينيون في شروط الاحتلال ثغرات يمكن من خلالها إصدار صحف ناطقة بإسم تنظيماتهم أو مقربة منها وبالتالي التواصل مع جماهيرهم داخل الأرض المحتلة.

والمسار الثاني كان يإيجاد وسائل إعلام إسرائيلية ناطقة بالعربية تنوعت بين الصحف و”صوت إسرائيل من أورشليم القدس” الإذاعي بالإضافة لتخصيص أوقات زمنية يومية بالعربية على شاشة التلفاز الإسرائيلي من أجل نشر ما يريده الاحتلال وتوظيف هذه الوسائل أمنياً ومخابراتياً داخل فلسطين المحتلة وإينما تستطيع الوصول.

فبعد الاستيلاء على محطة إذاعة القدس التي ولدت في عهد الانتداب جرى تحويل موجاتها للإذاعة العبرية وخصصت 18 ساعة يومياً باللغة العربية للتأثير على الفلسطيننين وإقناع الرأي العام الفلسطيني بقبول إسرائيل كوطن قومي لليهود في فلسطين من خلال برامج وسياسات تحريرية يشرف عليها ضباط مخابرات بأسماء عربية مستعارة.

وفي هذا المجال يمكن التطرق لبرنامجين دأبت الإذاعة الإسرائيلية الناطقة بالعربية على تقديمهما للجمهور العربي والفلسطيني ليكونا أدوات في إسقاط وتجنيد عملاء للاحتلال وهو أمر كشفته بعض التحقيقات مع معتقلين تم إسقاطهم من خلال الراديو الإسرائيلي، ففي برنامج “إستوديو رقم 1” الذي كان يبث صباح الجمعة والسبت ومن تقديم يهودي عراقي بإسم مستعار “زكي مختار” كانت هناك فقرة مخصصة لاستقبال شكاوى المواطنين واحتياجاتهم لمساعدتهم وبعد إستقبال المكالمات يتم تحويلها لجهاز المخابرات الذي ينفذ منها لتجنيد عملاء مستغلاً حاجتهم بعد توجيه “زكي مختار” المتصل أو المتصلة لجهة تساعدهم ليقعوا في شرك العمالة.

أما برنامج “رسائل شوق” فلم يكن سوى قناة لاستقبال وإرسال رسائل مشفرة من ضباط المخابرات لعملائهم ومن العملاء لمشغليهم بما في ذلك التعليمات والأوامر.

وما تقدم ولاسيما في برامج شكاوى المواطنين فهو أمر يجب الحذر منه حتى في وسائل الإعلام الوطنية الفلسطينية اليوم فمتابعة الاحتلال وضباطه لهموم المواطنين قد تكون مداخل قوية للضغط عليهم وتجنيدهم ومساومتهم مقابل احتياجاتهم ولا سيما فيما يخص الخدمات الصحية أو أذونات السفر أو حتى الحاجة والفقر. حيث من الممكن لضباط المخابرات المبادرة للاتصال بالشخص صاحب الاتصال وعرض المساعدة عليه مقابل العمل لصالحهم وهذا يتطلب جهداً وثقافة عالية وتحصين للجبهة الداخلية كون الأمر قد يتعدى التجنيد لصالح الاحتلال وصولاً لجهات أخرى.

وعلى صعيد المطبوعات سارع الاحتلال وفي 24/10/196 لإصدار صحيفة ناطقة بالعربية حملت إسم “الأنباء” وإستمرت بالصدور والتوزيع حتى مطلع 1985 ووصلت لعواصم عربية وعالمية عبر توزيعها من خلال الحقيبة الديبلوماسية وجرت محاولات لإجبار الفلسطينيين داخل الوطن المحتل على متابعتها بتخصيصها كجريدة رسمية تنشر فيها الأوامر العكسرية وأوامر المصادرة والهدم إلا أنها فشلت في إختراق الوعي الوطني رغم وقوف الحكومة والمخابرات الإسرائيلية خلفها، وعلى الفور تفتقت عقلية البرفيسور “مناحيم ميلسون” صاحب فكرة تحويل الإدارة العسكرية لما بات يسمى بالإدارة المدنية عن تشكيل ما بات يعرف ب “روابط القرى” من عملاء يعملون مع الاحتلال لضرب شرعية منظمة التحرير والدفع نحو إيجاد شرخ داخل الوطن المحتل ووجه “ميلسون” عملاءه نحو إصدار صحيفة المرآة التي لم تدم طويلاً ولم يصدر منها سوى بضعة أعداد نتيجة المقاطعة الشعبية لها، ليقوم العملاء في “روابط القرى” بإصدار صحيفة أخرى حملت إسم “أم القرى” وبإشراف المخابرات وكان الهدف منها التشكيك بشرعية وجدوى المقاومة وإسقاط عملاء عبر توظيفهم فيها وإستكتابهم على صفحاتها ولكن مع تفعيل المقاومة والمطاردة لعملاء “روابط القرى” وتصفية بعض رموزهم إنتهت الروابط وصحيفتها.

وكان التصدي الشعبي الفلسطيني لإعلام الاحتلال الموظف أمنياً وحالة الوعي السبيل لوقف محاولات إختراق الوعي العام كما أن صحافة الجدار في الإنتفاضة الأولى كانت البديل الشعبي الوطني الملتزم الذي ينهل الشارع منه الأخبار والتوجيهات.
شباك المنسق عبر شبكات التواصل الاجتماعي:

واليوم ومع تبدل الاهتمامات العامة وبدء التداول عبر التكنولوجيا للمعلومات والتواصل ونقل الأخبار والأحاديث تلفت الاحتلال بشكل جيد لهذه الآلية التي تكفل له الوصول لشرائح كبيرة ومتنوعه من المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية الأخرى كون التكنولوجيا الحديثة باتت عابرة للقوميات والجغرافيا عدا عن أنها باتت أداة رقابة سهلة ولصيقة للفلسطينيين في حركاتهم وسكناتهم حيث ذكرت عدة وكالات أنباء عن إتفاق بين حكومة الاحتلال وإدارة “فيس بوك” للحد من التحريض الفلسطيني على الموقع الأزرق وهذا يعني بالضرورة تبادل المعلومات بين الطرفين والرقابة المتبادلة والموثقة وكانت البداية مع صفحة الناطق بإسم جيش الاحتلال على مواقع التواصل الاجتماعي وفي البداية كانت تهتم بإحباط شعور الفلسطينيين بالفرحة بعد كل ضربة مؤلمة للاحتلال أو بث الإشاعات المبنية على أجزاء من الحقائق ما يعطيها نوعاً من المصداقية والتداول.

وبالعودة إلى “الإدارة المدنية” التي كان الأب الروحي لها البروفيسور الصهيوني “مناحيم ميلسون/ بالإضافة لإبوته لعملاء “روابط القرى” طفى على السطح مصطلح ما بات يعرف بالمنسق وهو ضابط في جيش الاحتلال ويعاونه طاقم كبير من عناصر المخابرات والعناصر الميدانية ويتمحور عملهم على الإشراف المباشر على حياة الفلسطينيين وحركتهم وتجارتهم ومجمل تفاصيل حياتهم من ماء وكهرباء وبرز دوره بعد إنتفاضة العام 2000 وجرى ربط المواطنين الفلسطينيين به بشكل مباشر أو غير مباشر فيما يخص احتياجاتهم التي يجب أن تمر عبر الاحتلال ومن خلاله.

هذا المنسق أوجد صفحة له على الحائط الأزرق بالإضافة لإذاعة إلكترونية ومع مرور وقت طويل أصبح المتابعون والأصدقاء على هذه الصفحة بمئات الألاف من فلسطينيين وعرب ومع الوقت باتت هناك علاقات إجتماعية بين طاقم المنسق على الصفحة الفيسبوكية والأصدقاء الفلسطينيين عليها وبشكل علني من تبادل للتهاني والتعازي وحتى إستقبال طلبات مساعدة والرد عليها في مختلف القضايا، وهذا يعني أن هناك طرق ومواضيع تواصل عبر الرسائل غير المعلنة ربما تحتمل الكثير من الخطورة أو أن حاجات المواطنين التي تدفعهم للتوجه لصفحة المنسق قد تكون مداخل مساومة من ضباط المخابرات في غرف صفحات المنسق.

وتتنوع المواضيع التي تطرح على صفحات المنسق بين القضايا الاجتماعية كالتهاني والتعازي والترويج للتعايش ووفرة العمل ورغد الحياة، ومن جهة أخرى تتناول قضايا أمنية وبشكل مباشر من مثل التهديدات الموجهة لأشخاص أو تجمعات والإعلان عن تسهيلات أمنية ورفع للحظر الأمني أو المساومة على هذه الأشياء باعتبارها إمتيازات يمكن سحبها. ويقوم القائمون على هذه الصفحات بتوسيع دائرة إنتشارها من خلال حسابات وهمية وهو أمر كشفت عنه الحملة الأخيرة لمقاطعة المنسق وصفحاته والتي حملت عنوان “يا عندي …يا عند المنسق” وما حققته من نجاح يشار إليه في دفع كثيرين لمغادرة هذه الصفحات تحت وطأة الضغط الذي حققته الحمله والتي أزعجت المنسق ومن خلفه دولة الاحتلال التي بدأت بحملات مضادة على حملة المقاطعة.

صفحة المنسق هذه التي ولدت في آذار 2015 ومرفق بها رقم هاتفي وبريد إلكتروني ووفرت آليات مباشرة للتعامل مع الاحتلال وتبادل الحديث وبدون رقابة وقد تكون التحقيقات التي أجريت في غزة مع بعض رجال الأعمال والتجار وحتى المرضى والمسافرين قد أثبتت على الأقل تقديم عروضات للتعاون والتخابر لصالح الاحتلال على عدد من المتواصلين مع هذه الصفحات أو على المعابر حيث يتواجد طاقم المنسق، ومن مخاطر هذه الصفحة بعيداً عن التوظيف الأمني تدجين الوعي الفلسطيني وخاصة الجيل الجديد ما بعد أوسلو لتقبل حضور الإدارة المدنية في تفاصيل حياتهم وكأمر واقع.

بقي القول أن الحديث عن التوظيف الأمني للإعلام الصهيوني المعرب بشقيه التقليدي والحديث واسع وكبير ولكن لا بد من التطرق لعدة قضايا بأبعاد متعددة من أجل الوقاية والحماية من الاختراق الأمني للمجتمع وتحصينه ومنها ضرورة توفير ما يحتاجه المواطن من المنسق أو عبره دون الحاجة للتواصل معه، وثانيها نشر الوعي عبر وسائل الإعلام وغيرها من مخاطر مثل هذه الصفحات، والتصدي لبعض الجهات من مؤسسات باتت تنسق مع الاحتلال مباشرة لصالحها وصالح مصالحها الخاصة، ويجب العمل على إفشال نجاح المنسق في الترويج للصورة الحضارية والديمقراطية والإنسانية لكيان الاحتلال على مستوى العالم ويجب التنبه أيضاً إلى أن مثل هذه الصفحات هي بمثابة منصات مجانية للتزود بمعلومات عامة وشخصية عن المتعاطين معها.

ولم تقف محاولات الاحتلال في خلق مسارب تواصل مع الفلسطينيين والعرب على هذا الأمر بل ومن خلال توظيف وسائل إعلام عربية في الإقليم من فضائيات ومواقع إلكترونية تتمثل بتوفير حضور رسمي لقادة الاحتلال العسكريين والسياسيين لمخاطبة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج عب إستضافاتهم وإطلالهم على المواطنين في منازلهم وهنا لا بد من الإشارة إلى النجاح المذهل والمبرمج للكيان الصهيوني في ذلك حيث بتنا نرى ثماره بالهرولة الشعبية والرسمية العربية نحو التطبيع مع الصهاينة وفي مختلف المجالات بل والتجند للتحريض على الفلسطينيين قضيةً وشعباً وربما توفير مداخل أمنية أخرى لم يكشف عنها بعد.