الرئيسية / أسرى / مشروع تصفوي لا اتفاق سلام : بقلم الأسير ظافرالريماوي

مشروع تصفوي لا اتفاق سلام : بقلم الأسير ظافرالريماوي

لطالما شكل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وما زال، محور وجوهر اهتمام عربي ودولي، باعتبار القضية الفلسطينية إحدى أهم عوامل التأثير، سواء في الاستقرار الإقليمي والدولي أو في استقرار المصالح الحيوية للقوى العالمية العظمى في المنطقة، فمن الطبيعي أن يكون للإعلان الأمريكي الإماراتي الإسرائيلي، ما بعده غير الذي قبله تماماً، في إطار رؤية استراتيجية مبصرة، قادرة على إفشال مخططات التصفية، ومحاصرة مشروع التطبيع الإماراتي وعزله.

بالمقابل، تجدر الإشارة إلى أن صلابة موقف القيادة الفلسطينية، ممثلة بموقف السيد الرئيس محمود عباس، الرافض أصلاً لصفقة القرن المشؤومة، يستوجب من الكل الفلسطيني، للبناء عليه عربياً ودولياً، الوحدة والالتفاف حول هذا الموقف وحول منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فهي الإنجاز الأكبر للنضال الوطني على مدار عقود، ويجب الحفاظ عليه وتطويره، لا الالتفاف عليه وتدميره.

وعليه، لم يعد خافياً، ارتباطاً بتطورات الواقع الراهن المعاش، انقضاء عصر العمالقة والزعماء العرب، لا بل استبدال هؤلاء الزعماء بجيل آخر مختلف تماماً، سواء من حيث التربية والنشأة، والتعليم والأولويات، والقيم والمبادئ، أو الارتباطات المصلحية والفكرية، وبالتالي القناعات والمواقف، فضلاً عن طبيعة الظروف والتغيرات الموضوعية في المنطقة العربية، بدءاً من الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني، باعتباره نتيجة طبيعية للانقسام العربي، ومصلحة إسرائيلية استراتيجية، مروراً بالحالة العربية المزرية وانشغالها بأوضاعها الداخلية، إلى جانب تدمير الإمكانات والمقدرات في أكثر من قطر عربي،، ناهيك عن التأجيج المقصود والممنهج للصراع السني – الشيعي وتغذيته لأهداف لم تعد خافية على أحد، انتهاءً بالواقع الدولي وصعود اليمين الشعبوي في أكثر من مكان، فضلاً عن تجلي عدم قدرة أوروبا على الانفكاك السياسي عن الولايات المتحدة الأمريكية.

في ضوء هذه القراءة السريعة، ذات الطابع الاستعراضي لمركبات القضية الفلسطينية محلياً وإقليمياً ودولياً، مضافاً إليها مشروع الإمارات التطبيعي مؤخراً، وما يشي به الواقع العربي من احتمالية هرولة دول عربية أخرى في سياق دورها الوظيفي لتمرير صفقة القرن، بات من الضروري الإسراع في بلورة استراتيجية وطنية جديدة تحاكي اللحظة، وتجيب على التحديات والتساؤلات المعروضة، بعيداً عن ردات الفعل، استراتيجية كان مطلوباً البدء بها بالأمس قبل اليوم؛ ذلك أن العقل هو الذي يجب أن يحكم في الأزمات لا ردات الفعل.

قبل الخوض في تفاصيل هذه الاستراتيجية الواجبة، يثور هنا التساؤل الآتي: هل سندين ونخون بذات الدرجة التي أدنّا فيها مشروع الإمارات التطبيعي في حال هرولت دول عربية أخرى نحو دولة الاحتلال، هل سنسحب السفير الفلسطيني أيضاً، ونعبر عن الموقف الحالي ذاته، ثم نكتفي بالقول: كفى الله المؤمنين القتال، لنجد أنفسنا وقتئذ محاصرين على أكثر من مستوى وصعيد؟ أم أننا مطالبون بإدارة معركة شاملة لإفشال محاولات التصفية للقضية الوطنية، وبالتالي إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني؟
طالما يأتي مشروع الإمارات التطبيعي في إطار صفقة القرن، فلا أرى فيه مفاجأة وفق السلوك الإماراتي مؤخراً، فالمساكنة اللاشرعية بين إسرائيل والإمارات قائمة منذ زمن، وما جرى بالأمس من إعلان ثلاثي، لا يعدو كونه أكثر من إشهار لزواج طرفي المساكنة المذكورة أعلاه.

وعليه، فالخطوط العامة للاستراتيجية الوطنية المقترحة، تتمثل بالآتي:
1- الوصول سريعاً إلى وحدة فتحاوية حقيقية، في إطار مشروع لإصلاح وتعزيز تماسك البيت الفتحاوي الداخلي، باعتبار ذلك مقدمة طبيعية من شأنها أن تضمن إنجاز وحدة وطنية فلسطينية، لاعتقادي الجازم بصعوبة تحقيق الثانية، دون إتمام الأولى وإنجازها بشكل جاد.

2- تصعيد المقاومة الشعبية، بحيث تقف على رأسها قيادة وطنية جماعية، توسع رقعتها الجغرافية، وتعزز قدرتها على استنزاف الاحتلال الإسرائيلي وركائزه المختلفة من جهة، واجتذاب الدعم الدولي متعدد الأشكال من جهة ثانية، لتغدو مع الأيام رافعة وطنية يمكن البناء عليها بدرجات متفاوتة، بما يضمن إعادة الاعتبار للقضية الوطنية، من خلال زيادة تعزيز الربط ما بين تناقض استمرار الاحتلال وجرائمه من جهة، واستقرار المصالح الحيوية للقوى الإقليمية والدولية المؤثرة من جهة أخرى.

3- إعادة إنتاج خطاب اجتماعي، اقتصادي، ثقافي، نضالي، سياسي، وطني، يحاكي اللحظة ويعيد الثقة والأمل في نفوس الجماهير، سواء من خلال التجديد أو رفع سقف هذا الخطاب المرتبط بإعادة تأكيد وتعريف الهدف الأساس.

4- تعزيز النظام السياسي الفلسطيني بما يواكب التطورات الحاصلة والمقروءة، ويحاكي اللحظة ويجيب عن التساؤلات المعروضة كافة، عبر تجديد الشرعيات للمؤسسات الفلسطينية المختلفة، خاصة في ظل عدم قدرة أي من الأطراف سواء في الضفة أو غزة، على إنتاج أي من الشرعيات الثلاث المألوفة (الشرعية الدستورية، الشرعية الثورية، وشرعية الخدمات بأداء مؤسساتي متقن المستوى، يليق بشعبنا وتضحياته وتطلعاته المشروعة.

5- استعادة ثقة الجماهير بالسلطة، فهي نتاج مجموعة من العوامل والاعتبارات، سواء الذاتي منها أو الموضوعي، لا أخالها مسلحة بالجماهير كما ينبغي، خاصة في مثل هذا الظرف الدقيق والحساس من عمر شعبنا وقضيته، فمن الواضح أن هناك أزمة قائمة ما بين السلطة والناس، سواء السلطة الشرعية في رام الله أو سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، مع الفارق بين هذه وتلك.

6- إعادة الاعتبار للتواصل مع مختلف القوى والأحزاب والقطاعات الشعبية والجماهيرية على امتداد الساحة العربية، لضمان تعزيز موقفها الداعم للقضية الفلسطينية من جهة، والضاغط على النظام الرسمي العربي ومصالحه المختلفة من جهة ثانية.

7- استعادة دورنا على المسرح العربي، وبالتالي تأكيد وجودنا الفعلي كجزء أصيل من الموقف والقرار العربي الرسمي، ويتطلب تحقيق
ذلك التصالح، وبالتالي الانفتاح على النظام الرسمي العربي، مع الإشارة هنا إلى أن الانقسام الفلسطيني، الذي هو نتيجة طبيعية للانقسام العربي كما ذكرت سابقاً، يعيق عملية التصالح مع هذا النظام، مثلما يمنعنا أيضاً من أن نكون جزءاً من هذا الموقف العربي.

8- ونتاجاً لإدراك الظروف الموضوعية، ومعرفة بالأوضاع الداخلية للأنظمة العربية، في حال تعذرت بلورة موقف من جامعة الدول العربية بطرد الإمارات منها، يجب المطالبة والضغط على أمينها العام لتقديم استقالته كحد أدنى، وذلك أضعف الإيمان.

9- لا بد من التفريق ما بين الجانب التركي والقطري من جهة، والإيراني من جهة ثانية، فإيران تعتبر في نظر أطراف وشعوب عربية عدة، هي العدو الأول في المنطقة، الأمر الذي أهّل دولة الاحتلال بأن تكون شريكاً فعلياً لهذه الأطراف في معادلة الصراع السني – الشيعي، لذا، أرى في سيناريو الاقتراب الفلسطيني من إيران، إن حصل، كردة فعل على مشروع الإمارات التطبيعي، شكلاً من أشكال الانتحار، أو بالحد الأدنى خصومة معلنة مع المحور السني، فضلاً عن أن موقفاً من هذا النوع لا أخاله سيجبر الإمارات أو غيرها من العرب على التراجع عن مشروع التطبيع الخياني، خاصة أمام تطورات الملف النووي الإيراني المقروءة. إن سيناريو من هذا النوع أيضاً لا يعدو بنظري أكثر من ردة فعل غير محسوبة العواقب، تذكرنا بشكل أو بآخر، بالموقف الفلسطيني من غزو العراق للكويت، وتبعات هذا الموقف آنذاك، لذا أكرر القول: إن العقل هو الذي يجب أن يحكم في الأزمات، لا ردات الفعل.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن كثيرين يرون في وجود العنصر التركي في المنطقة أمراً يذكرنا بعصر السلاطين، لذا أصبح هذا الدور في نظر بعض المثقفين العرب، والعديد من الجماهير العربية، هو إعادة إنتاج للمشروع العثماني، إن لم يكن عدواناً على المنطقة ومقدراتها، وهذا واضح، أو يتجّلى من خلال تدخلهم في سوريا وليبيا، الأمر الذي يسترعي الانتباه والتعقل.