الرئيسية / أفكار / الثقافةُ المُسيئة للإسلام من آوربان وبنيديكت .. إلى ماكرون  لمتوكل طه

الثقافةُ المُسيئة للإسلام من آوربان وبنيديكت .. إلى ماكرون  لمتوكل طه

بقلم:المتوكل طه

ما كدنا ننتهي من الرسومات المسيئة للرسول الأعظم ، والتي ذكرتنا بالناسك بطرس الذي حمل رسما يظهر فيه “التركي الفظّ” وهو يضرب المسيح، وراح يلوب في المدن والقرى يثير الناس ويحرّضهم لتخليص قبر المسيح من “الأتراك الملاحدة” أو من “المُحمديّين الوثنيين” … حتى طالعنا بنيديكت XVI بتصريحاته الممضه، ولتخرج علينا صحيفة “ليفاجارو” الفرنسية وهي تصب على النار زيتا.. وصولاً إلى تصريحات رئيس فرنسا ماكرون، المسيئة والجاهلة !

وها نحن نرى سباق آوروبا والمثقفين الغربيين من كُتّاب ومخرجين وسياسيين ومفكرين وفنانين في توجيه الإهانات “العميقة” للإسلام ، وسبق ذلك في بداية القرن العشرين بحثٌ محموم لتقديم الإسلام بطريقة مشوّهة تدعو إلى الرثاء، وجرت قراءة الاسلام وتفسيره بمناهج البحث الغربية وبالمنطلقات القيمية والمعرفية الغربية، فأصبح الاسلام ظاهرة “ضد المدنيّة والتقدم” باعتباره ديناً مُسلّحاً يخلو من الطرب والخمر وحرية النساء وحرية الغلمان، وليس من الغرابه أن دعت العلمانية إلى مذهب “الغلمانية” وسنّت القوانين وسيرت المظاهرات تأييدا لهذا المذهب.

والمشكلة هنا أنهم يهاجمون إسلامنا وينهبون ثرواتنا ويحتلّون أرضنا ويغيّرون مناهجنا ويعلّموننا الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية المرأة وحرية الشذوذ أيضاً!

ومنذ العام 1830 وحتى هذه اللحظة ونحن لم نتعلّم شيئاً سوى الفوضى والتفكّك ومزيداً من التشظّي والتخلّف دون أن نتخلّى عن الاسلام.. إذن، هناك مشكلة حقيقية، وبدلاً من ميلاد أنظمة ومجتمعات تتعلّم من الغرب وتسير على هديه ومنهجه، فقد زرع الغرب في بلادنا “إسرائيل” لتكون لنا نموذجاً يُحتذى في احترام حقوق الانسان وحقوق الغلمان أيضا، وبدلاً من أن تسير خطط التنمية والتقدم والتحرر في بلادنا، فقد ضرب الغربُ بيديه، أو بأيادٍ إسرائيلية، كل علامات التقدّم والتنمية.. وهكذا فإن بلادنا التي تسبح على بحار النفط والذَّهب والفوسفات، تحوّلت – بقدرة قادر – إلى أفقر بقاع الأرض، وتحوّلت مجتمعاتها ، التي تربط بينها روابط اللغة والتاريخ والهدف، إلى أكثر المجتمعات فرقة واختلافاً ودموية وفوضى واستلاباً..

وبعد كل هذا الظلم والاحتلال والاستغلال والاهمال والقتل والهدم والتفكيك والتهميش والتحقير، يأتي “رئيس ما” أو “مثقف ما” أو “مفكّر ما” أو “سياسي ما” ليعلّمنا الاسلام الصحيح واللغة الصحيحة والديمقراطية التي لا مثيل لها! فنغمة المستشرقين الأوائل الذين كتبوا تقاريرهم للمخابرات ومن ثم حوّلوها إلى كتب علمية تناقلها بعض مثقفينا العرب، وجعلوا منها هاديهم ونبراسهم، تتكرر اليوم بالطريقة ذاتها ، ولكن باختلاف أن من يُصدر النغمة هم السياسيون والقادة الأقلّ ثقافة او قُل الأكثر غباءً في العالم.

وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح، وحتى لا نضيع في متاهات وردود أفعال انفعالية ونتحوّل إلى مدافعين عمّا أُلصق بنا وبديننا من اتهامات باطلة، فإن من دواعي الحق والحقيقة القول إن كل هذا يَصُب في خانة واحدة، عنوانها الكبير والصغير: السيطرة على منطقتنا العربية والاسلامية خدمةً لهدفين اثنين لا ثالث لهما: نهب ثرواتنا من جهة ، وحماية اسرائيل من جهة أخرى ، ولا شيء ثالث.

ونذهب إلى التاريخ قليلا ؛ ففي يوم 18 تشرين الثاني من العام 1095 – أي قبل ألف سنة وأكثر – وقف البابا أوربان في مدينة كليرمونت بفرنسا وقال أمام ثلاثمئة وعشرة من الأساقفة والقساوسة ما ننقله بالنص هنا : “يا خزينا، يا عارَنا، اذا ما انتصر جنسٌ يتّسم بهذه الحقارة والانحطاط وتستعبده الشياطين والعفاريت، على شعب أنعم الله القدير عليه بالإيمان وتباهى باسم المسيح”.

في هذا الخطاب الذي شكّل الأساس لما عُرف في حينه بالحروب الصليبية، وصف البابا المذكور المسلمين بهذه الأوصاف “الجنس الخسيس، الكفار، البرابرة، الأتراك” وهذا الكلام لا نتقوّل به على أحد، بل هو وارد في كتاب لقسيس يدعى فوشية الشارتري بعنوان “تاريخ الحملة إلى القدس”، وكان هذا المؤلف القسيس أول قسيس صليبي في أول إمارة صليبية أُقيمت في بلادنا.

وبعد ألف سنة ويزيد، سمعنا أن الإسلام مأزوم ؟!.. وقبل سنوات قليلة ، سمعنا من جديد أن الإسلام مأزوم ومتشظٍّ أيضا! وأن الحضارة الغربية أفضل من الحضارات الاسلامية ، وأن الاسلام متوحّش ، وأن هناك إسلاميين: واحد ليبرالي مسالم وطيّع وناعم ومقبول ، وآخر إرهابي ومتعصّب ومتزمت، وأن المسلمين نوعان: معتدل ومتشدد، وأن الأنظمة والشعوب العربية والاسلامية مختلفة ومتنوعة باختلاف قربها وبعدها عن ماكدونالدز وكوكاكولا وبريتني سبيرز، ولا أحد يتحدث عن النفط أو عن إسرائيل!

الغرب استعلائي وإقصائي تماماً، فأوربان هذا الذي شتم “الاتراك الذين هم شعب فارسي”، كما قال، لم يكن يعرف شيئاً عن العلماء والفلاسفة والشعراء والكتّاب العرب والمسلمين، ولم يكن يعرف شيئاً عن عظمة القاهرة ودمشق وبغداد وحلب والأندلس والقدس، حتى معلومات الغرب عن الطبّ لم تكن تزيد عن معرفة حَلاّق في بلدة ريفية نائية . ومَن يقرأ ما كتبه أسامة بن منقذ عن علوم الفرنجة الطبية سيضحك طويلاً !! ورغم ذلك يقف أوربان بكل ثقة ليقول إن المسلمين هم جنس يتسم بالحقارة والانحطاط! هل لهذا علاقة بما صرح به جون بولتون ؛ أن هناك فرقا بين دم ودم وقيمٍ وقيم… خلال تبريره للعدوان الاسرائيلي على لبنان قبل عقد ونصف؟.

تقوم حكاية الغرب على أنهم جنس أرفع، بالعرق والدين والمعرفة، وتقوم حكايتهم على أن التاريخ هو تاريخهم وأن الكون يدور حولهم، وأنهم صانعوا الاتجاهات والمعايير والمصطلحات وأهم الأقدر على بناء أفضل السياقات الروحية والأرضية معا.

الحضارة التي أقاموها اعتبروها نهاية مايمكن الوصول إليه بشرياً، وهم ينكرون على الآخرين مساهمتهم في صياغة أو بناء هذه الحضارة، وهم – لجهلهم أو غرورهم أو وَهْمهم- يعتقدون أن هذه الحضارة وصلت إلى غايتها المجتمعية – بالحرية الفردية – وغايتها السياسية – بالديمقراطية السياسية – وبهذا لم يبقَ سوى تحقيق النبوءات الكبرى، وهكذا تصاب هذه الحضارة بكل ماتصاب به الحضارات القوية، البحث عن الأوهام من أجل تطبيقها أو الانفجار من داخلها بحثا عن أوهامها.

وفي خضم هذا كله خرج علينا البابا الألماني بنيديكت أو بنيديكتوس أو كلاهما، ليفاجئنا الرجل بأنه فَكِه وطروب وصاحب ابتسامة تقطر إيماناً وتفهّما وتقوى وقداسة، ويفاجئنا أيضا أنه لم يتقدّم قيد أنملة عما قاله أوربان قبل أكثر من ألف عام، رغم الانفجار المعرفي وتوالد محطات التلفزة الفضائية وانتقال العالم من غابة إلى مجرد قرية صغيرة تشرب الكوكا كولا وترقص على أنغام الروك والبلوز والفانك … خرج علينا هذا الرجل في الوقت الذي لم يعد في الغرب مايبهر سوى قوته، ليس إلاّ، فحكايته حول تعريف العالم وتفسيره لم تعد مقنعة، حتى هو لم يعد يُصدقها.

بابا روما ،ذاك، إذن، لم ينتبه ولم يتعلّم ولم يقرأ ما حدث طيلة ألف سنة وأعاد القصة إلى أولها، أي أن البابا المشار إليه قدّم الغطاء الديني اللازم من أجل السيطرة على منطقتنا بالحديد والنار، فما دُمنا نتّبع نبياً لم يأتِ إلاّ بالسيء والشرير، فلماذا لا نُصفى ونذبح وتؤخذ منا أراضينا وثرواتنا، ولماذا لا تتمتع إسرائيل بخيرات هذه المنطقة، ولماذا لا نُغزى في عقر ديارنا، ونُحرم حتى من شمّ الأزهار ؟!
ومن يقطع أحد الحواجز العسكرية الاحتلالية في الاراضي الفلسطينية سيعرِف وسيلمس معنى تصريح ذلك البابا هذا! إذ لأنك عربي ولأنك مسلم تموت زوجتك على حاجز “زعترة”! إن موت هذه الحامل على ذلك الحاجز وتحت عدسات الكاميرا ..تشكّل فضيحة أخلاقية لكل الحضارة التي ينتمي اليها البابا.

يجب عليّ – على الأقل – أن أعتبر أن تصريحات البابا – التي يدّعي فيها أن المسلمين أساءوا فهمها وأخرجوها من سياقها – لا تخدم الحوار ولا التفاهم ولا أي أمر إنساني – بقدر خدمتها الاستعمارية والتوسعية واستعمال القوة بأقصى حالتها وتوحشها بحق المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان والفلبين وسريلانكا والبوسنة.

لقد صوّر ذاك البابا المسلمين ودينهم على أنهم غير عقلانيين يتّبعون دينا “يستعبدهم فيه الشياطين والعفاريت” كما قال أوربان قبل الف سنة تقريباً، كما أنهم يدينون لنبيٍّ لم يأتِ سوى بالسيء والشرير ، وأن المسلمين لا يستطيعون نقاش ربهم باعتبار ان إرادة الله فوق عقلهم لأنهم يمتنعون عن نقاشها أو رفضها.

ولم نقع هنا في ردة الفعل بحيث نشرح للسيد المبجل والمقدس ديننا، أو موقع العقل في هذا الدين وما هو دور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في تقدم الكون كله، ولا عن معنى الاسلام وعلاقته بالآخرين، يكفي هنا أن نقول إن إيماننا لا يكتمل إلاّ بالإيمان بسيدنا المسيح وبقداسة أمه مريم عليهما السلام.

ما أريد أن أقوله هنا هو تذكير البابا القديم بما تمت خيانته من المسيحية الحقيقية، وما تم من عمليات “إنسانية” في تفسير إرادة الله وعقلنتها إلى درجة أخرجت الأمر كله إلى ساحة السخرية والعبث، وما تم من تجسير المسافة بين الله والإنسان الى درجة أن تحول بعض الأشخاص ومنهم البابوات إلى تنازع السلطة مع الله والمسيح نفسه.

إن نقاش إرادة الله بدعوى حرية العقل البشري أدى فيما أدى إليه إلى التباس شديد ومربك ومحرج في طبيعة السيد المسيح ودوره ورسالته، ولأن من المستحيل عقلنة أي دين ، ذلك أن في كل دين – مهما قلّ عدد أتباعه – مناطق لا يمكن للعقل أن يسأل أو أن يتلقّى إجابات، لهذا فإن المسيحية الغربية بالذات قدمت إجابات على كل شيء – بدعوى العقل – جعلت من كثير من مثقفيهم وفلاسفتهم وشعرائهم وكتابهم يقولون عن ذلك ما لا يمكنني نقله احتراماً لمشاعر من نعيش معهم من أخوة لنا نحترمهم ونقدرهم ولا نفكر مطلقا بالإساءة إليهم.

إن كلام البابا عن إرادة الله وعقلنتها مضحك تماما، فهو يعرف أن الأديان لا تُناقَش، ولو قرأ شيئا عن الهندوسية او المهاريشية أو المورمونية أو حتى اليهودية التي يفخر بالقاسم المشترك معها .. لأدرك أن العقل يقف حائرا من إرادة الله، ولكنه لم يلاحظ ذلك سوى في الإسلام، لأن أهله هم الذين يملكون النفط “ويهددون” إسرائيل.
البابا الذي درس اللاهوت في جامعات المانيا لمدة طويلة أثبت أنه لا يقرأ التاريخ إطلاقا ، فضلاً عن جهله بالإسلام أصلاً، فلو قرأ التاريخ لعرف ما معنى السيء والشرير، فإذا قسنا السوء والشرّ بمعنى الاعتداء على البشرية وذبحها وسرقة ثرواتها وأراضيها وانتهاك العالم وتخريبه وتلويثه، فمن الأجدر هنا الإشارة إلى حروب الأمم المسيحية فيما بينها ومن ثم حروب هذه الأمم ضد غيرها من أمم إفريقيا وآسيا وأمريكيا الشمالية والجنوبية لنعرف فظائع ما ارتكب بحق تلك الشعوب – النكتة الحقيقية هنا أن قتل الناس وسرقتهم وتحويلهم إلى بهائم أو جثث تمّ باسم الدين المسيحي، والدين فقط.
إن البشرية جمعاء، ومنذ أول حرب وقعت بالتاريخ وحتى سنة 1914 لم يقتل من الناس بقدر القتلى الذين راحوا ضحية الحربين الأولى والثانية، وهي حروب بين أمم مسيحية تسابقت على النفوذ والتسلح والتميز والأوهام.
إن المسيحية الغربية هي التي أنتجت أفكار التميز والوهم مثل الفاشية والنازية واللاسامية، وهي التي اخترعت حروب الاستباق والوقاية وهي التي خلقت الاستعمار القديم والجديد، وهي التي احتقرت البشر وهي التي احتقرت البيئة واستغلت العالم حتى آخر قطرة فيه.
لا يمكنني فهم تصريحات البابا وماكرون وغيرهم من الجهلة الحاقدين، بعيداً عن الجوّ العدائي والاستعلائي والاستعماري، لأنه في الوقت الذي قدّس فيه السيد المسيح ، ولا أذكره الا بالصلاة والسلام عليه، وفي الوقت الذي لا أستطيع فيه الحركة بين مدينتين في فلسطين ، وفي الوقت الذي يقتل فيه من أُمّتي يومياً العشرات بل المئات، أسمع شخصاً يمثل أرفع منصب سياسي في فرنسا، يتّهم الإسلام برمّته! ويعتبر الرسوم المُسيئة لنبيّ الرحمة .. حريّة!!

إنّ محمداً عليه الصلاة والسلام هو الذي علّم الناس حُبّ بعضهم البعض، وحبّ العالم، وحبّ الله، إنه لم يأت الا بالجَمال والكمال لبني الإنسان.

واضح أن هناك خللاً ما، خللاً كبيراً يجب إصلاحه .. فإذا كان أوربان – قبل أكثر من ألف سنة – أشعل حرباً بحجة أنها “إرادة الله” لمدة ثلاثمئة سنة، فإن ماكرون رئيس فرنسا، لم يشعل الحرب .. ولكنه يزيد أُوار جمرها المستعر تحت الرماد، ليسرّع النهاية، التي ستكون طامّة على الجميع .. وهذا ما لا نتمنّاه. لكن على الغرب أن يُعيد قراءة الأمور ويتبصّر أكثر .. إن كان معنيّاً بالاستقرار والتعايش والسلام .. وللأسف لستُ مطمئناً ولست متفائلاً في هذا الشأن .. والسبب ميراث أوربان المتغلغل في الوعي الجمعي الغربي، ووريثه ماكرون.