حملة ع كيفك
الرئيسية / أفكار / “هزيمة حزيران كيف نجحوا وأين اخفقنا ” بقلم: رائد محمد الدبعي
رائد محمد الدبعي

“هزيمة حزيران كيف نجحوا وأين اخفقنا ” بقلم: رائد محمد الدبعي

بقلم: رائد محمد الدبعي

محاضر بقسم العلوم السياسية/ جامعة النجاح الوطنية

طرق النجار ” أبو محمد ” عدة طرقات على بيت عم والدي في مخيم عسكر الجديد إلى الشرق من نابلس، قائلا: خير يا أبو زهدي، علمت أنك سألت عني مرارا، أجابه ” سعدات” ، بوجه لا يخفي فرحة المنتصر، أعلم أنك ستكون مشغولا جدا في المرحلة القادمة، بفكفكة أبواب بيوت المخيم ونوافذها، لكني أستحلفك الله أن أكون أول من تفكفك أبواب ونوافذ بيته، فقد أحتاج لها لبيتنا في اللد، الذي تركت أبوابه بحاجة إلى صيانة عاجلة عام 1948.

أبو زهدي، وأخوته، ووالدي وأعمامي ، وجيل بأكمله من الفلسطينيين والعرب، كانوا ضحايا حقنهم بأخبار زائفة، وشعارات جوفاء من قبيل ” تجوّع يا سمك ” و”قواتنا العربية على مشارف تل أبيب”، وغيرها من العنتريات والتطبيل والتضليل، التي أورثت شعبنا وأمتنا هزيمة جديدة، أطلقت عليها القيادات العربية إسم النكسة لتخفيف وطأتها، بعد أن اكتشفنا أن صراخنا أعلى من صوتنا، وأن سيوفنا الخشبية أطول من قاماتنا، وأنا أنظمتنا تقود الشأن العام بمنطق الطبل والمزمار، فبعد أقل من ثلاث سنوات من عمر النكبة، دخل المحتل بيت أبو زهدي في مخيم عسكر الجديد، ليهدم البيت، بأبوابه ونوافذه الحالمة بالعودة، ويعتقل أبناءه الإثنين لسنوات عدة، بحجة انضوائهم في إطار المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

أربعة وخمسون عاما مرت على هزيمة حزيران 1967، واحتلال ما تبقى من فلسطين، بالإضافة إلى سيناء والجولان السوري المحتل، وسيطرة اسرائيل على 69347 كلم مربع، أي ما يوازي ثلاثة أضعاف الأراضي التي سيطرت عليها عام 1948، ونزوح وتهجير ما يقارب نصف مليون مواطن عربي من الجولان السوري الذي أضحى محتلا، والمدن المصرية على امتداد قناة السويس، والفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة.

ما الذي يميز الذكرى الرابعة والخمسين لهزيمة حزيران عن سابقاتها، وهل من الضروري أن يقترب موعد النصر كلما ازداد عدد الشهداء، والثكالى، واليتامى، وعدد القبور، وهل يكفي الإنتماء الصادق والمشاعر الجياشة لتقريب موعد انعتاقنا من الاحتلال، والأهم من كل ذلك كيف نقرأ الهزيمة بعين الناقد، وقلب المنتمي، وضمير المواطن الصالح، وعقلية الحكيم، وروح الفريق، ومبدأ العمل المؤسسي، بالإرتكاز إلى المعلومات الصحيحة، والتحليل العميق، من خلال ربط النتائج بالمسببات، والتخطيط والبرامج، والعمل المؤسسي، وهل نحن الاَن أقرب إلى مشروعنا التحرري أم أن الحركة الصهيونية أقرب إلى تحقيق مشروعها التوسعي .

لعله من المفيد أن نعرّج قليلا على الدروب التي خطتها الحركة الصهيونية منذ بداياتها الأولى، من أجل افتراس الأرض الفلسطينية، لنعي جيدا أننا نواجه عدوا منظما، وخطيرا، يعلم ماذا يريد، ويمتلك الأدوات القادرة على تحقيق أطماعه.

تبنت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها مسارات عدة لتحقيق أطماعها التوسعية ضمن رؤية جيوسياسية تقوم على التوسع المستمر والدائم، فعلى الصعيد السياسي، واصل قادة الحركة الصهيونية من أمثال ” ثيودور هرتزل” و”مناحيم بيغن ” و ” جولدا مائير” وغيرهم، التواصل مع مختلف القوى المؤثرة، بدءا بالدولة العثمانية، وقيصر المانيا، والنمسا، مرورا ببريطانيا، وفرنسا، وبابا الفاتيكان بيوس العاشر، وروسيا، ومن ثم الاتحاد السوفييتي لاحقا، وملك ايطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية، والأثرياء اليهود، وغيرهم من قادة الرأي العام، ورؤؤس الأموال، الذين تنبهت الحركة الصهيونية لأهمية تجنيدهم لصالح مشروعها، الذي لم تخفي الحركة الصهيونية طبيعته الإستعمارية منذ اللحظة الأولى إذ أشار “هرتزل” في إحدى رسائلة “لسيزل ردوس” عام 1902 ” أرجو أن ترسل لي كتاباً تقول فيه بأنكم درستم برنامجي وأنكم توافقون عليه، وإذا سألت لماذا أتوجه إليك يا سيد رودس، فلأن برنامجي هو برنامج استعماري “، وعلى الرغم من تجاهل دعوات الحركة الصهيونية في البدايات، إلا أنها نجحت في الحصول على ” وعد بلفور ” الغير شرعي، والذي شكل انعطافة هامة في مسيرتها التوسعية .

وعلى المسار العنفي الارهابي، لم تكن المجازر المرتكبة ضد الفلسطينيين إبان النكبة هي باكورة إرهاب الحركة الصهيونية، التي لم تتوانى في استخدام كل أنواع الإرهاب والعنف من أجل تحقيق ماَربها، بما في ذلك استهداف اليهود أنفسهم، كما حصل في تفجير السفينة “باتريا” عام 1940، وتفجير مجموعة من الكنس في العراق، لترهيب يهود العراق وحثهم على الهجرة إلى فلسطين، واختطاف الأطفال اليهود الفقراء في المغرب وتهجيرهم قسرا إلى إسرائيل في العملية السرية التي حملت اسم “مورال” ، وتنفيذ عمليات تفجير، واختطاف وقتل ضد القوات البريطانية، وما واكب وتلا ذلك من مجازر بحق الفلسطينيين، إذ برزت خلال تلك الفترة أسماء عدد من الإرهابيين الصهاينة، المطلوبين للقوات البريطانية، من أبرزهم، مناحيم بيغن، واسحاق شامير، وموشيه شاريت، واسحاق صادح، وغيرهم ممن أصبحوا في مواقع صنع القرار في إسرائيل لاحقا.

أما على مسار البناء المؤسسي، فقد تيقظت الحركة الصهيونية، لأهمية تأسيس أذرع اقتصادية وسياسية، تخدم ماَربها التوسعية، وتوفر لمشروعها مقومات الديمومة والتمويل، والتنظيم، بدءا من الإتحاد الإسرائيلي العالمي عام 1860، مرورا بالمنظمة الصهيونية العالمية عام 1897، والصندوق القومي اليهودي” كيرن كيميت” عام 1901، والوكالة اليهودية عام 1908، والصندوق التأسيسي ” الكيرن هايسود” عام 1920، بهدف شراء وامتلاك الأراضي في فلسطين، وتشجيع هجرة اليهود اليها، علما بأن جميع الأراضي التي تم الحصول عليها من قبل الحركة الصهيونية تسجل تحت إسم ” الشعب اليهودي “.

أما المسار الرابع الذي برزت فيه الحركة الصهيونية وحققت فيه نجاحات هامة، فهو المسار البحثي، والتعليمي، إذ أنه في اللحظة التي أعلن فيها عن تأسيس ” إسرائيل ” عام 1948، كانت الحركة الصهيونية قد استكملت بناء جهاز تعليمي يخدم الرواية الصهيونية بجميع مراحله، وكانت تمتلك عددا من المؤسسات الثقافية والبحثية التي تخدم مصالحها، كما تشير الباحثة سميرة الصيفي في أطروحتها لنيل الماجستير من الجامعة الإسلامية عام 2015، حيث برز عددا من المفكرين الصهاينة الذين دعوا إلى إحياء ” ثقافة يهودية جامعة ” منهم ” أحاد هعام “، و ” وماكس نورداو”، و”موزس هيس”، و”ليون بنسكر”، و”يهودا الكلعي”، و”اليعازر بن يهودا”.

في الحقل التعليمي دمجت الحركة الصهيونية بين التعليم الديني والعلماني في اَن، واستلهمت من العلوم التطبيقية في أوروبا والولايات المتحدة لا سيما في مجالات الزراعة والهندسة، والبناء، حيث بدأت الحركة الصهيونية بطرح فكرة تأسيس مؤسسة أكاديمية يهودية إلى أواخر القرن التاسع عشر، من خلال مقال لأستاذ الرياضيات ” هيرمان شابيرا” والتي تحولت عام 1925 إلى الجامعة العبرية في القدس، علما بأن الإنتداب البريطاني منح اليهود حرية إدارة مؤسساتهم التعليمية، في حين أبقى التعليم العربي تحت إدارته المباشرة، حيث قامت الحركة الصهيونة بتأسيس نظام تعليمي من رياض الأطفال حتى الثانوي، يقوم على ثلاثة أركان، مدارس دينية، ومدارس أجنبية، وأخرى صهيونية، كما كان التعليم أحد الثوابت على أجندة مختلف المؤتمرات الصهيونية، أما في مجال التعليم العالي، فقد نجحت الحركة الصهيونية في تأسيس مجموعة من مؤسسات التعليم العالي قبل إنشاء الكيان الصهيوني، بدءا من معهد حيفا التقني” التخنيون ” 1912، والمعهد الزراعي الجامعي القومي 1920، والجامعة العبرية 1925، ومعهد التوراة العبري 1927، ومدرسة القانون والإقتصاد في تل أبيب 1935، ومعاهد تدريب المعلمين، أما في مجال المراكز البحثية، فقد أنشأت الحركة الصهيونية قبل النكبة مجموعة من المراكز العلمية المتخصصة، من أبرزها مؤسسات الأبحاث الزراعية، والمختبرات البيولوجية، ومراكز أبحاث علم الأحياء البحري، ومركز ماير سيجال لبحوث حدائق الحيوان، وجمعية بحث أرض إسرائيل، والأرشيف الصهيوني المركزي، ومعهد الدراسات والبحوث الإقتصادية، ومعهد الدراسات الصناعية، ومراكز الكمبيوتر وصناعة المعلومات، ومعاهد البحوث العسكرية، ومعهد وايزمن للعلوم، يضاف إلى كل ذلك منظومة من المؤسسات الثقافية مثل مؤسسة بيالك، ولجنة اللغة العبرية، ومؤسسة الحاخام كوك، وجمعية بني موشيه، ودار الكتب الجامعية والقومية اليهودية، وحلف العبرية العالمية، ومدرسة بتسلئيل، والمسرح العبري، والمجلات العبرية، والأوركسترا السمفونية، ونقابة الكشافة العبرية، والمتحف الصهيوني، حيث أن كل تلك المنظومة وضعت لخدمة الأهداف التوسعية، والمشروع الاستعماري الصهيوني.

نجحت الحركة الصهيونية في استغلال القيم الأوروبية الجديدة بعد الثورة الفرنسية، وتنامي الأفكار الليبرالية، والقومية، والكولونيالية، حيث أنها نجحت بشكل مثير في تطويع تلك الأفكار والقيم لخدمة مشروعها الاستعماري، من خلال استخدام ذات المفاهيم القومية لتموضع نفسها في أرض لها حدود واضحة – فلسطين-، وتبني مشروع مبني على أساس عرقي تم اختلاقه، ولغة تم إعادة إحيائها، وأساطير تلمودية تم ابتداعها، بالاضافة إلى استدعاء غريب للأفكار القومية لبسمارك في ألمانيا ‏ وغاريبالدي في إيطاليا، وإعادة قولبتها من جديد، لتخدم المشروع الصهيوني من خلال مصطلحات دينية، مثل “أورشليم” و”صهيون” و”أرض إسرائيل”‏ و”الخلاص” و “لـمّ الشتات” و”خلاص الأرض”، في مفارقة غريبة تقوم على أنه ” بإمكانك أن تكون مواطنا ملحدا ويهوديا صالحا في ذات الوقت .

في ذكرى هزيمة حزيران، علينا أن نعترف بعثراتنا المتعددة، بدءا من انقسام القيادة الفلسطينية ما بين المعارضة والموالاة منذ عهد الحاج أمين الحسيني، وتمسكنا النرجسي بالشعارات على حساب البرامج، والتنظير على حساب التخطيط، والفردية على حساب العمل المشترك، كما علينا أن نضبط اولوياتنا بشكل دقيق، ونفرق جليا بين الدولة وحق تقرير المصير، ونستثمر طاقات وإمكانيات شعبنا في فلسطين التاريخية والشتات، في الساحل والنقب والجليل، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وتاج الوطن القدس الشريف، وعلينا أن ننهي عار الإنقسام مرة وللأبد، من خلال الاتفاق على برنامج وطني موحد، يرتكز على الثوابت الوطنية، والمقاومة المثمرة، مع الحفاظ على حق شعبنا بانتهاج كل أشكال المقاومة، مع ضرورة اختيار الأسلوب الأكثر موائمة لكل مرحلة وساحة، كما أنه من الهام البناء على ما حققته الثورة الفلسطينية من إنجازات خلال العقود الماضية، لا سيما على الصعيد الدولي، واستثمار حالة التضامن العالمي غير المسبوقة مع الحق الفلسطيني بما في ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية ، حتى لا تتحول معركة القدس الأخيرة وصمود شعبنا في الساحل والنقب والجليل والقدس والضفة والقدس إلى ساحة جديدة للإنقسام، أو لمزيد من الفرقة والتشرذم .

ختاما لا تزال ظلال هزيمة حزيران تطل بكل ثقلها على شعبنا وقضيتنا، ولا زال أمامنا الكثير من العمل، والجهد لنقوم به، والكثير مما سيأتي مستقبلا، سيحدده أداؤنا الجمعي العام.

شركة كهرباء القدس