حملة ع كيفك
الرئيسية / أفكار / تفحيط بقلم: عيسى قراقع
عيسى قراقع

تفحيط بقلم: عيسى قراقع

حيرني القاموس المحيط وقاموس لسان العرب وأنا ابحث عن معنى كلمة اللفّة التي أصبحت دارجة على لسان كل فلسطيني، وجزءً من الوعي والنظام اللغوي والمخاطبة وتحديد الاتجاهات سواء في البعد المكاني أو الزماني.

كلمة اللفّة التي صارت تعبير عن السلوك الاجتماعي والإنساني والثقافي للفلسطينيين تعني الالتفاف على الشيء، وفي الحالة الفلسطينية الالتفاف على الواقع الطبيعي إلى واقع غير طبيعي، نلتف ونجتمع ونتكاثف، نحيط بالأمر ولكن لا نلمسه، نراه وندور حوله ولا نقترب منه، لهذا اشكر المعاجم اللغوية التي ساعدتني على معرفة الواقع الجغرافي السياسي الذي أصبح مهيمناً علينا.

مئات الطرق الالتفافية التي شقها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس والتي خصصت للإسرائيليين وتواصلهم مع مدنهم ومستوطناتهم وحددت مسارات أخرى للفلسطينيين الذين يعتبرون اقل إنسانية، مما يضع عقبات كثيرة ومعيقات أمام الحركة والتواصل، وهذه المسارات مزروعة بنقاط التفتيش والحواجز العسكرية ومحاطة بالجدران والأسلاك وأبراج المراقبة ومستوطنات أقيمت على مساحات واسعة مصادرة من الأراضي الفلسطينية.

انتظر… انتظر… أنا في اللفّة، سأنتقل من منطقة (أ) إلى منطقة (ب) ومن ثم سأدخل إلى منطقة (جـ)، نحاول ان نلتف ونقطع الدوائر الكبيرة إلى دوائر اصغر واصغر متجاوزين الاغلاقات التي أمامنا، سيأخذ وقت طويل حتى نصل، لا زلنا ندور ليذكرني ذلك بساحة الفورة في السجن عندما كنا ندور حول أنفسنا متزاحمين

ي مساحة ضيقة نرتطم يبعضنا وحولنا الأسوار العالية والسماء المسيجة وأبراج الحراسة المسلحة.

انتظر نحن في ما يشبه مهرجان تفحيط داخل دائرة، ندور في كل الاتجاهات، نطلق الشعارات والاستغاثات الكثيرة، نصطدم في بعضنا، نعود الى نفس النقطة، افكارنا مدورة، مفاهيمنا تقلصت على قدر ضيق المكان، نفحط على بعضنا البعض، نستنفر العشيرة والقبيلة والسكاكين، تتشظى ذاتنا وتتوزع على مدارات صغيرة.

انتظر… انتظر… أنا في اللفّة، التخطيط المكاني والتحكم بالحيز الجغرافي دفعني ان اذهب شرقا بدل الذهاب غربا، سأدور حول المدن والمستوطنات والجدار، كنت سابقاً اعرف هذه المنطقة ولكن الان كل شيء تغير، احتاج إلى خارطة والى دليل، سنهبط هذا الوادي السحيق ونصعد ذلك الجبل، المركبات أمامي متدافعة ومتزاحمة بعضها يرتطم ببعض، أصبحت عصبياً، لا تتصل الان حتى أعي أين أنا.

انتظر… انتظر… أنا في اللفّة، نحن في حالة مميزة للابرتهايد والفصل العنصري واسوا من ذلك، الإسرائيليون يتحكمون في الوقت والحركة، نتحرك في كنتونات بعد ان شرحت وهندست إسرائيل المناطق إلى شبكة مركبة من الطرق الالتفافية التي تخضع بشكل كامل لسلطتها القضائية والأمنية، نحن في طرق مفصولة عن بعضها البعض، وعلينا ان نعرف ان هذا المكان منطقة عسكرية أو منطقة لإطلاق النار والتدريب، وان تلك المنطقة تؤدي إلى معسكر أو مستوطنة، أو تلك المنطقة أراضي حكومية تم الاستيلاء عليها ممنوع الدخول إليها أو العبور منها، حولي نظام ابرتهايد صامت تماماً، فالأرض تغيرت وتحولت، حفرت ونبشت وقلعت عيناها ولم يعد لها تلك الملامح أو الرائحة التي نعرفها وتعرفنا.

انتظر… انتظر… أنا في اللفّة، أمامنا أكثر من 700 حاجز ومعيق عسكري، الطرق الالتفافية لها أرقام لا استطيع ان أحفظها، تمكن الإسرائيليون من تحقيق خطتهم عبر تحويل الأراضي الفلسطينية إلى عدد كبير من الكنتونات، لقد اختفينا وصارت عملية الكنتنة جزء من حياتنا، يحيط بنا أكثر من نصف مليون مستوطن، دولة مستوطنين، ندور ونلتف لنتجنب اعتداءاتهم اليومية، انتظر انهم يحاصروننا جسديا وجغرافيا وأصبحنا محشورين وتحت المراقبة والسيطرة.

انتظر انتظر أنا في اللفة، كل شيء توقف، استنفار، طابور طويل من السيارات على حاجز زعترة، المستوطنون هجموا على الناس، قتلوا عائشة الرابي بالحجارة، زجاج متناثر أمامي على الشارع، دماء، صراخ، سنحاول ان نبحث عن طريق آخر، المكان ساحة جريمة، إطلاق نار في كل مكان، الجيش يحمي المستوطنين، نحن محاصرين في المكان فانتظر.

الحياة هنا عبارة عن تفحيط نجري ونجري، نلهث ثم نلهث، هناك شيء يسرق منا وامامنا، ولا ادري لماذا صار التفحيط امرا عاديا وجزءً من الهواية اليومية والمقبولة، هل تشقلبت حياتنا؟ فبدل ان نسير الى الامام ننزلق الى الاتجاه المعاكس، انها تقنية سياسية جديدة، ومن لم يجيد التفحيط يجد نفسه مقتولا او معتقلا، فالتفحيط مهارة وتعلم وبراعة، فاحذر ان تضغط على الكوابح بشدة فقد تتلقى رصاصة او تهوي الى واد سحيق، لا يوجد شيء الى الامام، كل شيء الى الخلف عميقا عميقا حتى القبر.

انتظر انتظر أنا في اللفة، سأحاول ان أمر عن 165 بوابة ان كانت مفتوحة وغير مغلقة، وسأعبر عن 140 حاجزا عسكريا وعن 149 ساترا ترابيا و251 عائقا من متاريس وخنادق وجدران ترابية وغيرها، سنتعرض للتفتيش وشتائم كثيرة، أصبحنا مرهقين، لن نستطيع ان نمر من حاجز بيت ايل أو طريق عطارة، لقد اعدم المستوطنون حمدي النعسان في قرية المغير وأيمن حامد من سلواد، أغلقت مدينة رام الله، وعندما عدنا إلى حاجز قلنديا وجدناه مغلق، فانتظر ريثما يتوقف الموت الذي يصطادنا في شوارعنا وأراضينا، قد أصل بعد مشقة أو أصل جثة، انتظر أنا الحي والميت في جسد واحد.

انتظر… انتظر.. أنا في اللفّة، إذا اخطأت سأقتل فورا، القناصون جاهزون، الإعدامات في الشوارع وعلى الحواجز والمفترقات صارت روتيناً وظاهرة يومية، اشعر إني بعيد، مهمش، شبح، لم اعد بشرياً بالنسبة لهم، عزلونا، فصلونا، الوصول إلى بعضنا صار مستحيلاً، لا أرى حولي سوى من بجرف الأرض ويقتلع الأشجار، نحن من خالف الوصايا السبع للإسرائيليين، نحن الاغيار الذين نستحق القتل ، انه توراة الملك الإسرائيلي الذي اعتمده الحاخاميون في نصوصهم الدينية والذي يعبر عن تفوق عرقي وديني يبيح سفك دمي في أي وقت.

انتظر… انتظر… أنا في اللفّة، لا يوجد أمامي مناطق مفتوحة، كل شيء مغلق، اشعر بالاختناق، أصبحنا نعيش في حالة انتظار، ننتظر ان نمر إلى بعضنا، ننتظر ان نتحايل على المكان الذي هو لنا لنجد مكانا اخر يقبلنا، ننتظر ان تمر الـ24 ساعة بخير وامان، ان لا تهجم علينا منظمات الإرهاب اليهودي ونقاد إلى السجن، انتظر لا تستعجل كثيراً أنا في الأراضي المحتلة، أنا في فلسطين.

هل يشعر السياسيون والمجتمع العالمي بحياة التفحيط التي يعيشها الشعب الفلسطيني؟ الآن حاجز الكونتينر مغلق، لا نرى الدولة الفلسطينية المستقلة الا من ثقب جدار، البنادق في وجوهنا وبساطير الجنود والمسامير المدببة على الاسفلت، طابور بشري ليس له وقت، انتظر ولا تحدق في الساعة فالزمن ليس ملكنا حتى الآن.

انتظر انتظر أنا في اللفّة

اجّل كل المواعيد، الأعراس والجنازات والاجتماعات والزيارات، انتظر، أنا من قال عنه محمود درويش:

امشي ولا استطيع الدخول      ولا استطيع الخروج،       أدور كزهرة عباد الشمس         ارنو إلى وردة في البعيد         فتشعل الجمر   ارنو إلى مسقط الرأس

خلف البعيد       فيتسع القبر

شركة كهرباء القدس