حملة ع كيفك
الرئيسية / أفكار / سعيد عياد الشعلة دائمة التوقد والغياب المفجع بقلم/ خالد الفقيه
د. سعيد عياد

سعيد عياد الشعلة دائمة التوقد والغياب المفجع بقلم/ خالد الفقيه

بقلم الإعلامي: خالد الفقيه

لم أكن أتوقع هذا الغياب المفجع وأن نفجع نحن أحبابه وأهله برحيله الصامت وهو الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بما يحمله من علم ومواقف، وكم كنت أمني نفسي بلقاء قريب يجمعنا للحديث والنقاش في مواضيع متعددة بدأنا النقاش فيها ومشاريع لم تكتمل وأخرى بحاجة لمتابعة واستكمال، وتقييمات لقضايا أخرى أنجزت، إلى أن جاء صباح يوم جمعة حزين يحمل النبأ برحيل الصديق والأخ العزيز الدكتور سعيد عياد الذي تربطني به علاقة شخصية وعلاقة عمل منذ 27 عاماً كان خلالها نعم الصديق المتفتح ذو الرؤية البعيدة والمستعد على الدوام للاستماع دون تصلب في الرأي حتى ولو حملت النقاشات خلافات وإختلافات.

تواصلنا خلال مكوثه في المشفى مواجهاً الكورونا اللعينة وكان على الدوام يخبرني بأنه سيجتاز المرض بل ويذهب للحديث عن إستكمال المسيرة الأكاديمية في جامعة بيت لحم وما المطلوب لإنجازه خلال غيابه، وكنت أطمئنه بأن الأمور تسير كما يشتهي ويريد وأننا بانتظاره، ولم يخلو الأمر من حديث في الوضع العام الذي كان يتابعه رغم المرض. وتواصلت مع كريمته ضحى بشكل متواصل وكانت دوماً تخبرني أنه في تحسن وأنه تجاوز الخطر وعودته باتت قريبة وعلى هذا وطنت نفسي.

ترددت في الكتابة عنه بعد رحيله لأنني لم أستطع تطويع قلمي للكتابة عن رحيل لا زلت لا أصدق أنه حدث فعلاً، وفي كل مرة أبدأ بالكتابة تتملكني الحيرة من أين أبدأ وكيف أنتهي؟ أبدأ وأتوقف لرهبة تجتاحني أن أنعى وأعدد مناقب رجل خبرته وعاشرته لقرابة الثلاثة عقود ولم أر منه إلا كل طيب وحسن وبهاء. اللقاء الأول كان معه في مقر نقابة الصحفيين الفلسطينيين حيث تعرفت على رجل صلب عنيد في مواقفه الوطنية ومحارب متقدم في مقاومة التطبيع والتصدي له، قومي الإتجاه منحاز لهموم أمته فوقف مع العراق في محنته في مواجهة الهجمة الإمبريالية الأمريكية عليه ولاحقاً مع سوريا في وجه المؤأمرة الكونية عليها ومع المقاومة وحقها وتابع باهتمام كل ما يجري في محيطنا العربي وكان له العديد من المواقف المتفحصة والعميقة تجاهها.

وكان سبق ذلك أن قرأنا له وسمعنا صوته عبر أثير الإذاعة الفلسطينية وهو ينقل مقاومة شعبه في مواجهة الاحتلال البغيض، وخلال حصار كنيسة المهد كان صوت المقاومين ومصدر الخبر لنا كصحفيين ومواطنين على حد سواء، وفي تغطياته كمراسل لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني سطر راحلنا الكبير إنموذجاً وطنياً ملتزماً يؤكد على اللحمة الوطنية وكان شعاره على الدوام رفض الحديث عن التسامح في فلسطين بل عن أخوة الدم والتراث والميراث بصورة تتعدى الطوائف والالتزامات الأيدولوجية.

حينما أصبح مديرا للبرامج في تلفزيون فلسطين عمل بجد على نقل الشاشة من شكلها التقليدي لبعد أكثر تطوراً، وكذلك فعل كرئيساً لدائرة الأخبار حيث لم تنقطع علاقات التواصل معه والنقاش في الرؤية، كانت له رؤية خاصة في خلق شاشة بمعايير تجمع الأصالة والتمسك بالبعد الوطني والحداثه، وهنا أذكر أنه عرض علي ذات مرة أن أعمل معه في دائرة الأخبار في تلفزيون فلسطين كمدير للتحرير وكان دافعه ضرورة نقل التقارير نحو القصص الإخبارية المؤثرة بعيداً عن شكلها التقليدي بحيث تسلط الضوء على الصمود والمواجهة وعكس مظلومية الشعب الفلسطيني من خلال الإنتقال من مخاطبة الذات لمخاطبة العالم.

كما عرفته أكاديمياً بارعاً همه الدائم التطوير والجديد فقد تزاملنا في أكثر من مؤسسة أكاديمية في أقسام الصحافة والإعلام وفي إحداها كنت رئيساً للدائرة وعملت ليكون ضمن كادرها ليضيف من خبراته العملية الميدانية للطلبة كي لا يبقوا أسرى للنظريات والتنظير، وفي جامعة القدس تزاملنا لعدة فصول، قبل أن أنتقل للعمل معه في دائرة اللغة العربية والإعلام في جامعة بيت لحم حيث كان وحتى رحيله رئيساً لها وخلالها تعمقت معرفتي به رغم أننا كنا على لقاء دائم ولا سيما بعد أن جاورني بشراءه منزل برام الله حيث كان ملتقانا الدائم للتفكر والتباحث، وكان لي الشرف في العمل معه وتحت إشرافه في جامعة بيت لحم حيث أنجزنا العديد من المحاضرات وورش العمل حول واقع الإعلام الفلسطيني والمستقبل بمشاركة نخب مهنية ورسمية إلى أن وصل بنا العمل المشترك لضرورة إطلاق برنامج دراسي بدرجة البكالوريس في مجال الإعلام يمتاز بالفرادة على المستويين العربي والفلسطيني، وعملنا بجد ولسنتين في وضع مساقاته ووصفها والتواصل مع خبراء عرب –كنا نزعج على الدوام كريمته ضحى- في اجتمعاتنا في منزله برام الله والتي تمتد لساعات طويله في ورشة عمل مفتوحة ليرى البرنامج النور والتخطيط للمستقبل والتطوير الدائم فيه، صحيح أن البرنامج نال إعتماد وزارة التعليم العالي ولكنه لم يكتمل لكلينا إذ كان المخطط رفده بتخصص فرعي ومن ثم تطويره لدرجة الماجستير وكان دوماً يحثني على التفرغ للعمل معه في القسم الجديد ويقول: “كنت معي من اللحظات الأولى في هذا المشروع ويجب أن تكمله معي ومن بعدي بعد تقاعدي” وكان جوابي الدائم له سنرى وسنتابع حتى ولو لم أكن في الوظيفة بالشكل الرسمي، المؤلم أن الدكتور سعيد لم تتح له فرصة الحياة ليقطف ثمار هذا البرنامج في الإعلام التفاعلي والإتصال والذي تحاورنا في إسمه لساعات حتى إتفقنا عليه وكان دوماً يمازحني في إصراري على ذلك بالقول: “أنت متأثر بالمدرسة الحديثة في الإعلام ومنحاز للصورة أكثر من الكلمة وأنا من عشاق الإذاعة، فأرد عليه: يا أبا إبراهيم كما كنت أناديه على الدوام، إن الصورة هي لغة العصر إلى جانب الموسيقى وسوق العمل يحتاج ذلك”.

ومن المنجزات التي أنجزناها معاً والتي هربت كثيراً لتفقدها منذ رحيله كان المشروع الذي شكل هاجساً له على مدى عام كامل حيث أنتجنا أربعين حلقة تلفزيونية تحت إسم “ذاكرة بيت لحم المصورة” وفيلم طويل عن بيت لحم في إطار الاستعدادات لاعتماد بيت لحم عاصمة للثقافة العربية فسابقنا الزمن حتى أنجزناه إلا أن جائحة كوفيد عطلت الإستعدادات الوطنية لهذا الحدث الكبير، فكرة المشروع جاءت مع وصول رسالة من الجامعة للدوائر والأقسام بالاستعداد للفعالية فقدم زملاء الدائرة مقترحات حول نتاجات مطبوعه وقدمت أنا مقترح أن تكون مشاركة قسم الإعلام عملاً مرئياً ضخماً فتبناه، وأذكر في هذا الإطار الحورات مع الدكتور جميل خضر عميد البحث العلمي الذي بارك الخطوة وشجعها وتابعها إلى أن رأت النور ورأيت الفرحة وهي تتلبس الدكتور سعيد بولود مشروع مرئي يعد الأضخم حول بيت لحم كان كتب السيناريوهات له وأشرف على إنتاجه فيما كان شرف إخراجه ومتابعته من نصيبي.
ومع إكتمال مشروعنا المرئي البحثي تولدت فكرة جديدة في توفير الدعم لمشروع أخر مرئي حول أعلام فلسطين إبتداءاً من بيت لحم وبالفعل حمل راحلنا الكبير الفكرة للتجهز لإنجازها.

ومما عدت له بعد رحيله غير مرة رسالة التوصيه التي طلبتها منه ووجهها لجامعة النجاح الوطنية لإكمال درجة الدكتوراة حيث كتب وصفاً جميلاً وكلمات دافئة بعد قراري بإكمال مسيرتي الأكاديمة وطلبت منه أن يكون أحد المشرفين على رسالتي التي أطلعته على موضوعها فشجعني وقال لي بالفعل ستكون الأولى عربيا في مجال الإعلام ويسعدني أن أكون معك وإلى جانبك، رغم أنه أكثر من مرة حاول إقناعي بالتوجه للمغرب من أجل ذلك. عدا عن كتابه الأخير المهمشون والذي أهداني نسخة منه مع كلمات رقيقيه بدأت بالقراءة فيه وأنهيته وناقشته في بعض منه وخاصة في الاستعارات والتورية والذات التذوات والاستعارة والالتقاء الذي تجلى في نصوصه وهنا ذكرني بقول لطالما ردده في أكثر من مناسبة “التحرر من الوظيفة الرسمية يطلق يدك في كل إتجاه” وحدثني عن مشروع شعري بدأه وأخر بحثي يجمع بين الفلسفة والأدب والإعلام، عدا عن تناولنا الحديث حول مشروع المصطلحات الإعلامية ومدلولاتها الذي بدأ العمل عليه منذ فترة وكان لي الشرف أيضاً في الإطلاع عليه وإبداء الملاحظات حول بعضها وإضافة مصطلحات أخرى بحاجة لأن تكون بين دفتي المنجز المنتظر.

نعم كم كان جميلاً هادئاً ودائم الفرح والابتسامه وكم شكل حالة إستقطاب في مواقف شهدتها خلال ورش عمل ومؤتمرات خارج أسوار الجامعة جمعتنا، وكان من بين خططنا السفر لبيروت لعقد إتفاق تعاون مع مؤسسة تدريب إعلامي أرتبط بعلاقة معها تعمل في التدريب المتخصص في الإعلام التفاعلي للوصول لتوأمة مع تخصص الإعلام التفاعلي في جامعة بيت لحم.

وكان من المفترض أن يرافقنا للمشاركة في المؤتمر اللاتيني الأول لدعم الشعب الفلسطيني قبل سنوات في العاصمة الفنزويلية كاراكاس ولكن حالت ظروفه وقتها دون المشاركة وخسرنا وقتها متحدثاً وكلمة كان من المتوقع أن يكون لها وقعها على وفود أكثر من مئة دولة.

كم فرح وربما أكثر مني عندما أهديته دراسة بحثية صدرت لي عن دار فضاءات بجهد مديرها الشاعر والصديق جهاد أبو حشيش كنت قدمتها في أحد مؤتمرات الجامعة العلمية وحملت إسم ” بيت لحم والمسيح في كاريكاتير ناجي العلي”.

ربطته بجامعة بيت لحم علاقة حميمية تعدت العمل الوظيفي ولطالما رفع إسمها في شتى الميادين ومواقع تواجده فيها وأذكر أنه قبل شهر من وفاته تقريبا حدثته بأن هناك جهة إستثمارية تواصلت معي لفتح علاقة عمل إستثماريه مع جامعة بيت لحم في مشروع إقتصادي يحمل بعداً أكاديمياً تطبيقياً وأنني سأرسل لهم رقم نقاله للتواصل فوافق على الفور وبالفعل بدأت اللقاءات التي رتبها مع الأب إياد طوال للنقاش حول ذلك وبعد وفاته تواصلت هذه الجهة الاستثمارية للتعزية وأخبرتني أنهم يأسفون لرحيله لأنه لن يكون حاضراً في اجتماعاتهم القادمه مع الجامعة.

الكتابة عن رجل رحل مبكراً وهو في أوج العطاء ولديه المزيد من أصعب ما يمكن فكيف نكتب الرثاء وبأي وجه؟ أبوجه النقابي أم الأكاديمي أو الثقافي والأديب. وكيف أذا كان صديقاً قريباً من القلب والروح، آلمت قلوبنا وأدمعت عيوننا برحيلك المبكر والفاجع، في المقبرة ونحن نسير خلف نعشك من ساحة المهد إلى لحدك خيم الصمت على محبيك وترقرقت الدموع في المقل، وفي بيت العزاء ساد الوجوم على الموقف، وفي رام الله لم أتمالك نفسي عند الدخول لقاعة العزاء التي نظمها بيتك الأول نقابة الصحفيين وأنا أرى صورك في زوايا المكان.

رحل سعيد عياد جسداً وبقي نهجاً وفكراً عند من عرفوه حياً وسيكون كذلك عند من سينهلون مما جاد، لك الرحمة في عليائك. أبى الرحيل قبل أن يكحل عينيه بيافا وحيفا وعكا حيث زارها قبل وفاته بأسابيع ومتع ناظريه بجمالها وشحذ عقله بالمزيد عن خبايا وطنه السليب الذي آمن بحتمية عودته من نهره إلى بحره.

شركة كهرباء القدس