مساحة إعلانية
مساحة إعلانية

في ذكرى النكسة: ذكريات مفجعة لحرب صورية تكللت باحتلال ما بقي من فلسطين

بيت لحم /PNN/ نجيب فراج – يحمع الكثير من المواطنين ممن عايشوا احتلال ما تبقى من ارض فلسطين عام 1967 بانهم لم يشاهدوا حربا حقيقة بين القوات الاسرائيلية والجيوش العربية، فسرعان ما انهارت هذه الجيوش في لمحة بصر لم تتعدى ستة ايام حسب الجانب الاسرائيلي الذي اصبح يطلق عليها “حرب الايام الستة”.

وبهذا الصدد يقول مصطفى مسلم البالغ من العمر 70 سنة والذي كان يقطن في مخيم الدهيشة للاجئين حيث رحلت عائلته اثر النكبة من قريته الاصلية زكريا” ان حرب عام 67 كانت حربا صورية بامتياز”، ويذكر في ذلك الوقت حينما كان عمره 15 عاما بانه سمع الى ما اذاعه راديو اسرائيل على لسان الجنرال مردخاي هود قائد سلاح الجو الاسرائيلي من انهم تمكنوا من تدمير سلاح الجو المصري في غضون ساعتين فوقع الخبر كالصاعقة على جموع الجماهير الفلسطينية التي اضطرت الى ترك المخيم واللجوء الى الجبال والمغر المجاورة في محاولة لحماية انفسهم ورحل اخرون الى قرية ارطاس المجاورة خوفا من ممارسات الجيش الاسرائيلي خاصة وان المخيم يقع بمحاذاة الشارع الرئيس فافرغ بالكامل وسكنت العديد من العائلات لدى عائلات في ارطاس.
الحرب الصورية

ويستذكر مصطفى مسلم والذي يتراس اليوم “جمعية اهالي زكريا” في خضم تلك الأحداث بان الطائرت الاسرائيلية قصفت موقعا للجيش الاردني كان مقاما على قمة “جبل انطون” المطل على المخيم، وسمع الاهالي صوت المدفعية الاردنية ترد على هذه الطائرات ولكن سرعان ما انتهت المعركة باخلاء المعسكر، ويستذكر ايضا بان الجيش الاسرائيلي قد عدد خسائره في هذه الحرب معتبرا اياها بانها خسائر قليلة اذ يذكر بان عدد القتلى والجرحى الاجماليين في الحرب من الجنود قد بلغ نحو 240 جنديا في اشارة الى ان الحرب كانت بالفعل صورية اذا ما قيست بحجم نتائجها حيث احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان السورية في برهة قصيرة من الزمن.

ماساة حقيقية

“لقد كانت ماساة حقيقية”، يقول مصطفى ويضيف بان جموع الاهالي اعتقدوا بانها نكبة اخرى وتهجير اخر ولذلك هناك من سارع الى الهجرة والهروب للاردن وتكثفت عملية النزوح بعد ايام اذ بدات حشود العائلات من مختلف المناطق بالتوجه عبر حافلات كبيرة وسيارات شحن نقلوا من خلالها اثاثهم الى الاردن ويذكر مسلم بان حافلات كانت تنتظر عند منطقة باب الدير في مدينة بيت لحم لتنقل الاهالي مجانا وكل ذلك خوفا من ارتكاب مجازر بحقهم كما حصل في عام النكبة.

بين النزوح والبقاء

وسجلت الاحداث صراعا رهيبا بين من يريد النزوح في اسرع وقت ممكن طلبا لنجاته ونجاة اطفاله، وبين من يريد التريث والانتظار قليلا خوفا من ان تعاد ماساة النكبة من جديد فحسب الكثير من العائلات فان احد الاشقاء جاء بالشاحنة من اجل نقل ابنائه وابناء اشقائه الى الاردن فحضر الشقيق الاكبر بعد ساعة من ذلك عندما كانت الشاحنة تستعد للانطلاق فاوقف الشاحنة واعاد حمولتها الى المنزل ومنع العائلة من النزوح.

ويؤكد بان الرحيل من المخيم كان في متناول اليد حسب تعبيره فسكانه جميعا يقطنون فيه ولكنهم لا ينتمون اليه على اعتبار انه محطة لعودتهم الى قراهم ومدنهم التي هجروا منها فلذلك ان الرحيل منه لن يكون كالرحيل من القرى الاصلية ولذلك يصبح اسهل من نكبة العام 48 وهذا ينطبق على كافة المخيمات واللاجئين وبالتالي فان رحيل الاهالي من القرى والمدن في هذه النكسة كان اصعب بكثير ومع ذلك فقد جرى النزوح باعداد كبيرة.

الابتهاج المزيف

من جانبه فقد استذكر الاسير المحرر الكاتب صالح ابو لبن الذي سبق وان امضى 15 سنة في سجون الاحتلال ايام النكسة وخاصة تلك الحادثة المؤثرة حينما بدأت طلايع الجيش الاسرائيلي تدخل الى بيت لحم حيث اعتقد الاهالي انهم جنود عراقيين او لربما جنودا جزائريين فزحفوا الى الشوارع ابتهاجا لقدومهم ولكن هذه البهجة كانت قصيرة جدا حينما مرت طلائع هؤلاء الجنود بصمت مريب من دون النطق باي كلمة وقد تحطمت هذه البهجة حينما قام احد الجنود بقذف علبة سجائر فارغة في الشارع واتضح بانها من نوع اسكت حيث التقطها شاب يدعى عبد العظيم الحايك الذي استطاع “ان يفك شيفرتها” حسب تعبير ابو لبن حيث وجدت على نشرة الجمارك كلمة اسرائيل لتتحول البهجة الى صدمة كبيرة من قبل المواطنين ليفروا بعد ذلك حيث بدأوا يصرخون”انهم ليسوا عربا انهم يهود.

النفوس المثقلة

وقال ابو لبن عن صبيحة الخامس من حزيران لقد استيقظ الناس بامال كبيرة على كم من الاخبار، وكانت اولاها غير مريحة فامالهم بنيت على حسابات من التمني وتتبدل الحالة النفسية لديهم عن اليوم الذي سبقه وتختل متانة امانيهم ويوجد شيء ثقيل في نفوس الناس ، وكأنهم يشعرون بان هذه الحرب بدات من الخلف او انها ضلت سبيلها”، فالطائرات الاسرائيلية تضرب امكنة مختلفة المطارات والجيوش وهي تجوب سماء المنطقة جيئة وذاهبا، وتضرب الاذاعة الاردنية ، واستذكر انه كيف استمع الى انين المذيعة المصابة عبر جهاز الراديو ، ويقول انه في اليوم الاول للحرب وبجانب مسجد المخيم كان يقف عدد كبير من المواطنين عندما انطلقت المدفعية الاردنية من جبل انطون لتقصف القدس الغربية فرافقتها الاهازيج ، وكلما خرجت صلية من القذائف زغردت النسوة لتغني للنصر والعودة، وفي صبيحة اليوم التالي ذهب صالح الى مربض المدفعية ليشاهد بام عينه عملية القصف فالجبل كان مليء بافراد الجيش الاردني واهل المخيم يأتون لهم بالماء فهو مطلوب للشرب ولتبريد المدفعية حسب قوله، وشاهد المواطنون صفائح الماء تحت الشجر والكثير من ارغفة الخبز والاكل وقد جلب الناس للجنود كل ما يستطيعون تقديمه ويقول صالح” الجبل كان يغص بالناس وكلهم قادم لاظهار الدعم والتضامن مع الجيش الذي سيرد لهم البلاد ويحقق النصر ويخفي اثار النكبة ، ولم يكن لعلموا ان الامة العربية على ابواب هزيمة نكراء ثانية”.

الالم المحفور في الذاكرة

الذكريات عن حرب عام 1967 لا تنتهي والقصص كثيرة والالم لا زال يحفر بالذاكرة، وخاصة ان كل ما يقال عن انتصارات منذ ان وطات اقدام اسرائيل على هذه الارض قبل نحو سبعة عقود ما هي الا انتصارات وهمية بل هزائم متلاحقة هذا هو لسان حال المواطنين بشكل عام في ظل استمرار عملية التهويد الخطيرة للارض والحجر وتهجير السكان.