القدس المحتلة /PNN / وصال أبو عليا - في القدس، لا يُقاس التعليم بعدد الصفوف ولا بحداثة اللوح الذكي، بل بقدرته على حماية الذاكرة، وصون الهوية، وبناء إنسان قادر على الصمود وسط واقع استيطاني يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي قبل الجغرافيا. هنا، كل فكرة هيموقف، وكل مدرسة احتمال نجاة. وفي هذا السياق، تبرز قصة ولاء أبوعصب كنموذج استثنائي لامرأة فلسطينية مقدسية، جمعت بينالقانون والتربية، وحوّلت تجربتها الشخصية إلى مشروع وطني هادئ، يرى في التعليم أعمق أشكال البقاء وأكثرها استدامة.
الجذور… حين تصنع المدينة وعي أبنائها
وُلدت ولاء أبو عصب في البلدة القديمة من القدس، لأسرة مقدسية ذات اصول خليلية، في مدينة لا تمنح أبناءها رفاهية العيش العادي، بل تضعهم منذ الطفولة في تماس مباشر مع الأسئلة الكبرى: الهوية، والانتماء، والبقاء. الأزقة، الحواجز، والحضور الدائم للاحتلال شكّلت وعيًا مبكرًا بأن العدالة ليست مفهوما نظريًا، بل حاجة يومية. تقول أبو عصب: "كبرنا في القدس ونحننفهم أن الهوية ليست شيئًا نملكه، بل شيئًا علينا حمايته كل يوم".

هذا الوعي شكّل بوصلتها لاحقًا، فاختارت دراسة القانون في جامعة القدس – أبو ديس، وحصلت على إجازة المحاماة عام 2011، مدفوعة بإدراك عميق أنالمعركة في القدس ليست فقط على الأرض، بل على الحقوق والسرديةوالمستقبل. واليوم تعمل مستشارة قانونية في دائرة شؤون القدس بمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث توظّف خبرتها القانونية بوصفها خط دفاع عن الإنسان والمدينة.
الفكرة… أمومة تحوّلت إلى مشروع مجتمعي
لم تولد فكرة التعليم من دراسة جدوى أو خطة استثمار، بل منحاجة أمّ تبحث عن بيئة تربوية آمنة لطفليها، جهاد وياسين. منهذا الاحتياج الشخصي، وُلد أول مشروع صغير: حضانة "أنجلز"، التي بدأت بسبعة أطفال فقط، بينهم طفلاها. تستعيد أبو عصبتلك اللحظة قائلة: "لم أكن أفكر أنني أؤسس مشروعًا، كنت فقطأبحث عن مكان أشعر فيه أن أطفالي بأمان، نفسيًا وإنسانيًا، قبلأي شيء آخر".

خلال شهر واحد، ارتفع العدد إلى 25 طفلًا، لتتحوّل المبادرة من حلّ فردي إلىمطلب مجتمعي، وتدرك ولاء أن ما بدأ بدافع الأمومة يمكن أن يتحوّل إلى رسالةأوسع.
من مشروع صغير إلى مؤسسة تعليمية
بدافع حبها للأطفال وإيمانها بأهمية السنوات الأولى في تشكيل الشخصية، التحقت ولاء أبو عصب بدبلوم مصادر الطفولة وإدارة رياض الأطفال، وبدأترحلة الترخيص والتطوير بمراحلها المختلفة (براعم، بستان، تمهيدي)، واضعةالجودة التربوية في صدارة الأولويات. وعلى مدار تسع سنوات، نما المشروعبهدوء وإصرار؛ بدأت بموظفة واحدة، واليوم يضم الصرح التعليمي أكثر من 30 موظفًا وموظفة.
تقول أبو عصب: "كل مرحلة تعليمية خضتها غيّرت طريقة تفكيري، حيث بعد البكالوريوس تغيّرت رؤيتي، وبعد الماجستير تغيّرتأدواتي، واليوم في مرحلة الدكتوراة أرى التعليم كقضية وجود".ومع تزايد ثقة الأهالي وتخرّج أفواج من الأطفال، جاءت المطالبات بإنشاءمدرسة تُكمل المسار التربوي، فكان تأسيس مدرسة أجيال عام 2022 خطوةمفصلية.
التعليم في القدس… تحديات تتجاوز الصفوف

لم يكن الهدف مجرد فتح مدرسة جديدة، بل إنشاء مساحة تعليمية تُعيدالاعتبار للهوية الفلسطينية، وتقدّم سردية وطنية صحيحة في مواجهة محاولاتالطمس والتزييف. تعمل مدرسة أجيال في بيئة شديدة التعقيد، حيث تتقاطعالسياسة بالقانون، والجغرافيا بالإقامة. ومن أبرز التحديات الهجرة الداخليةنحو مناطق (ج)، وما يرافقها من هشاشة قانونية تهدد الاعتراف بالتعليم دونالمساس بمركز الإقامة المقدسية.
إلى جانب ذلك، تواجه المدرسة تحديات البنية التحتية الناتجة عن قلة تراخيص البناء وضيق المساحات وصعوبة استيفاء شروط التهوية والإضاءة. وبخبرتها تعاملت أبو عصب مع هذه التحديات باعتبارها "قضية لا عقبة"، فوجدت مخارج قانونية مكّنت المدرسة من الحصول على التراخيص اللازمة دونالتفريط بحقوق الطلبة. تؤكد: "حين يكون التعليم في القدس مهددًا، لاأراه تحديًا إداريًا، بل معركة قانونية ووطنية يجب خوضها حتىالنهاية".
فجوة التعليم… صراع غير متكافئ

في القدس، يخوض التعليم الخاص معركة غير متكافئة مع منظومة تعليمالاحتلال، التي ضخت مليارات الشواقل في مدارسها من بنية تحتية متقدمةوأقساط رمزية ورواتب مرتفعة للمعلمين. في المقابل، تعاني المدارس الوطنية من محدودية الموارد، ما خلق فجوة تعليمية حقيقية وأدى إلى عزوف بعض الأهالي. ورغم ذلك، لا يزال قطاع واسع من المجتمع المقدسي متمسكًا بالمدارس الخاصةإدراكًا لخطورة المناهج الإسرائيلية. تؤكد أبو عصب: "في مدارس بلديةالاحتلال، يُدرَّس موطن إسرائيل وكأنّ فلسطين لم تكن، وهذا مرفوضأخلاقيًا وتربويًا".
فلسفة تربوية تصنع الإنسان
في مدرسة أجيال، لا يُنظر إلى الطالب كرقم أو متلقٍ، بل كإنسان قيد التشكّل. تعتمد المدرسة التعلم باللعب في المراحل الأساسية، والاستكشاف والتفكيرالنقدي في المراحل الإعدادية. تبدأ عملية صقل الشخصية منذ سن الثالثة عبربرامج مبتكرة مثل (القائد الصغير، والمزارع الصغير، والشيفالصغير)، لترسيخ المسؤولية والمهارات الحياتية مبكرًا. تشير أبو عصب: "نحن لا نُخرّج طلاب علامات فقط، بل نعمل على بناء شخصيةقادرة على مواجهة الاحتلال السمعي والبصري والفكري الذييحيط بنا".

وتُعزَّز هذه الفلسفة عبر المخيمات الصيفية، ومخيمات القرى المهجّرة، والعمل التطوعي، وربط الطالب بالمجتمع المحلي والبلديات والمؤسسات الفلسطينية، ليبقى الوطن حاضرًا في التجربة اليومية لا في الكتب فقط.
مدرسة في قلب المجتمع
توفّر المدرسة بيئة آمنة ومحفّزة، وتشارك في مسابقات تربوية ورياضية على مستوى القدس وفلسطين، وصولًا إلى مشاركات دولية. كما تقدّم إعفاءات لأبناء الشهداء والأسرى في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وتسعى مستقبلًا للوصول الى مرحلة التوجيهي، وإدخال نظام تكنولوجي متكامل، وتعزيز العمل التطوعي المجتمعي.
قصة ولاء أبو عصب ليست قصة نجاح فردي، بل شهادة حيّة علىأن التعليم في القدس فعل بقاء، وأن المرأة حين تمتلك المعرفة تستطيع أن تحوّل الأمومة إلى مشروع، والقانون إلى حماية، والمدرسة إلى ذاكرة حيّة. في مدرسة أجيال، لا يُصان المستقبل فقط، بل يُكتب… طفلًا طفلًا، وحكايةً حكاية، في مدينة تحاول كل يوم أنتنزع عن أبنائها هذا الحق، فيعيدونه إليها بالوعي.
تم إعداد وإنتاج هذه القصة ضمن مشروع خطوات بتمويل منالاتحاد الأوروبي.



