الشريط الاخباري

الانقسام الداخلي وتحولات الوعي الشبابي: جيلٌ خارج معادلة صنع القرار

نشر بتاريخ: 01-02-2026 | محليات
News Main Image

رام الله /PNN/ يواصل الانقسام الداخلي الممتد منذ قرابة العشرين عاما في إلقاء ظلاله الثقيلة على مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، متحولاً من خلاف سياسي مؤقت إلى بنية حاكمة أعادت تشكيل الواقع الفلسطيني برمّته. وقد كان الشباب، الذين يشكّلون النسبة الأكبر من المجتمع، الفئة الأكثر تضرراً من هذا الواقع، حيث حُرموا من المشاركة السياسية، وتراجعت ثقتهم بالمؤسسات والقيادات، وتفاقمت لديهم مشاعر الاغتراب والعزوف عن الشأن العام.

ومع تآكل المشروع الوطني، وتراجع الحريات، وازدياد الأزمات المعيشية، بات الانقسام عاملاً مركزياً في تعميق أزمة الهوية والمستقبل لدى جيل كامل نشأ في ظله ولا يزال يدفع كلفته حتى اليوم.

د. صابرين أبو لبدة: جيل نشأ في ظل الانقسام ويدفع كلفته السياسية والاجتماعية
وأكدت المحاضرة الجامعية د. صابرين أبو لبدة، أن الانقسام الفلسطيني لم يعد مجرد خلاف سياسي بين فصيلين، بل تحوّل إلى حالة بنيوية ممتدة جغرافياً واجتماعياً ومؤسساتياً، انعكست بشكل مباشر على جيل كامل من الشباب الفلسطيني، نشأ وتكوّن وعيه السياسي في ظل واقع من الإقصاء وغياب الأفق. وأوضحت أن آخر انتخابات تشريعية جرت عام 2006، ما يعني أن شريحة واسعة من الشباب حُرمت فعلياً من حقها في المشاركة السياسية ترشحاً وانتخاباً، الأمر الذي أدى إلى ضعف تمثيلهم في مواقع صنع القرار والمؤسسات القيادية والرسمية.

وبيّنت أبو لبدة في حلقة جديدة من صوت الشباب عبر شبكة وطن الإعلامية، أن الانقسام ساهم في تآكل دور الأطر الشبابية والحركات الطلابية داخل الأحزاب السياسية، حيث جرى احتواؤها وتحويلها إلى أدوات للتحشيد الانتخابي في الجامعات، بدلاً من كونها فضاءات فاعلة في صناعة القرار. ونتيجة لذلك، برزت ظاهرة “الاغتراب السياسي” بين الشباب، والتي تجلت في فقدان الثقة بالنظام السياسي والقيادات الحزبية، والشعور بانعدام المعنى واللامبالاة تجاه العمل العام، وصولاً إلى الانسحاب من الحيز العام.

وأضافت أن سياسات القمع وتقييد الحريات، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، عمّقت هذا الاغتراب، إذ بات التعبير عن الرأي محفوفاً بالمخاطر، ما عزز مشاعر العجز والخوف لدى الشباب. كما أشارت إلى أن الانقسام لم يقتصر أثره على السياسة، بل امتد اجتماعياً، محدثاً تفككاً في النسيج المجتمعي، وثقافة إقصاء وتخوين، واستقطاباً حاداً طال حتى العلاقات الأسرية، لتكون فئة الشباب، إناثاً وذكوراً، الضحية الأولى لهذه التحولات.

وفي البعد الاقتصادي، أوضحت أبو لبدة أن تفاقم الفقر والبطالة وغياب تكافؤ الفرص، إلى جانب انتشار الواسطة والمحسوبية، أسهم في تنامي ظاهرة “نزيف العقول”، حيث باتت الهجرة خياراً جدياً لدى كثير من الشباب، لا سيما بعد تصاعد الأزمات عقب السابع من أكتوبر. وربطت ذلك بأزمة أعمق تتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني والهوية، في ظل غياب مرجعية وطنية جامعة وتراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية، ما أفقد الشباب البوصلة السياسية والشعور بالانتماء لمشروع تحرري واضح.

وختمت أبو لبدة بالتأكيد على أن التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من القاعدة، عبر إعادة إحياء دور الأحزاب في التنشئة السياسية وتعزيز منظومة القيم والمواطنة، وإعادة هيكلة منظمة التحرير وتحديد دورها ومشروعها الوطني، بما يضمن تمثيلاً شبابياً حقيقياً ومتدرجاً من القاعدة حتى قمة الهرم السياسي.


أشرف أبو عرام: الانقسام بنية حاكمة والشباب محرومون من السياسة كأداة تحرر
من جانبه، شدد الناشط الشبابي أشرف أبو عرام على أن الانقسام الفلسطيني تجاوز كونه حالة سياسية مؤقتة، ليصبح “بنية حاكمة” تتحكم بكل تفاصيل الحياة الفلسطينية، وتعيد إنتاج الإقصاء والتهميش، لا سيما بحق الشباب. وأشار إلى أن كل فلسطيني يقل عمره عن 37 عاماً حُرم من المشاركة السياسية الحقيقية عبر صندوق الانتخابات، ما أفقد السياسة معناها التاريخي كأداة للتحرر، وحوّلها في وعي الشباب إلى عبء وساحة صراع داخلي.

وأوضح أبو عرام أن الشباب يمتلكون الوعي والأدوات، وقد خاضوا محاولات متعددة للتغيير خلال السنوات الماضية، إلا أن شكل الحكم القائم في ظل الانقسام لا يسمح لهم باستخدام هذه الأدوات ضمن الأطر الرسمية، ما يدفعهم للعمل خارجها، وهو ما يعرّضهم للملاحقة والتضييق. واعتبر أن تغييب الشباب عن مواقع التمثيل الشعبي، مقابل استمرار ذات النخب المتحكمة، عمّق فجوة الثقة بين الشباب والمنظومة السياسية بكاملها.

وأكد أن أحد المفاتيح الأساسية للخروج من المأزق هو استعادة الديمقراطية، بدءاً من داخل الأحزاب والتنظيمات، عبر إنهاء سياسات التعيين والواسطة، واعتماد الانتخاب والتنافس النزيه. كما شدد على أن الانتخابات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون مدخلاً حقيقياً للتغيير ما لم تُجرَ في بيئة تحترم الحريات العامة وتقبل الاختلاف، محذراً من أن أي انتخابات تُجرى في ظل الشروط السياسية القائمة لن تكون سوى إعادة إنتاج لعلاقات الهيمنة ذاتها.

وربط أبو عرام أزمة الشباب بالسياق الأوسع للاحتلال والقمع السياسي، مؤكداً أن غياب الحرية، سواء بفعل الاحتلال أو الممارسات الداخلية، يجعل كلفة التعبير عن الرأي باهظة. وختم بالتأكيد على أن استنهاض الشباب هو جزء لا يتجزأ من استنهاض المجتمع، وأن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية لن يتحققا من أعلى الهرم في ظل غياب الإرادة السياسية، بل عبر عمل قاعدي مجتمعي ضاغط يفرض على القيادات السياسية الاستجابة، ويفتح المجال أمام مشاركة سياسية حقيقية تشمل الشباب وسائر مكونات المجتمع.

شارك هذا الخبر!