الشريط الاخباري

بقلم رامي المهداوي : احتلال مرخّص قانوناً رامي مهداوي

نشر بتاريخ: 21-02-2026 | أفكار
News Main Image

ليست الحيرة إزاء قرار حكومة إسرائيل البدء بتسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية بوصفها "أملاك دولة" ترفاً فكرياً، بل تعبيراً عن مأزق سياسي وأخلاقي مركزي يواجه كل من لا يزال يؤمن بأن للنظام الدولي معنى، وللقانون الدولي وظيفة، وللشرعية الدولية قيمة تتجاوز النصوص. فالمشهد، بكل عناصره، يضع المراقب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الترحيب الحذر بكل موقف دولي رافض، ولو جاء متأخراً ومخففاً، وإما الاستغراق في الدهشة من عالمٍ يرى الجريمة تتكرر، موثقة ومعلنة، ثم يكتفي بإصدار بيانات القلق.
هذا القرار، في جوهره، ليس مفاجئاً ولا استثنائياً. إنه حلقة متقدمة في مسار طويل من الضمّ الزاحف، الذي تتقنه إسرائيل ببراغماتية باردة منذ عام 1967. الفرق الوحيد أن ما كان يُمارَس سابقاً تحت عناوين «أمنية» أو «مؤقتة»، بات اليوم يُقدَّم كسياسة دولة مكتملة الأركان، لا تخجل من إعلان نواياها ولا ترى حاجة لتبريرها. هنا لا نتحدث عن انحراف في السلوك، بل عن عقيدة راسخة تعتبر الأرض المحتلة غنيمة مشروعة، والقانون الدولي عائقاً شكلياً يمكن تجاوزه بالصبر والتدرج.
المدهش – أو الفاضح – ليس السلوك الإسرائيلي بحد ذاته، بل البيئة الدولية التي سمحت له أن يتحول إلى نمط ثابت. فالعالم الذي يدّعي الدفاع عن النظام القائم على القواعد، هو ذاته الذي وفّر لإسرائيل مظلة حصانة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة. عشرات القرارات الدولية صدرت، أبرزها القرار 2334، وكلها بقيت بلا أسنان. لا عقوبات، لا كلفة، لا ثمن. هكذا تعلّمت إسرائيل درساً بسيطاً وخطيراً: يمكن انتهاك القانون طالما أن العقاب غير وارد.
يحلو للبعض التمييز بين «الضمّ الرسمي» و«الإجراءات الإدارية»، وكأن تسجيل الأراضي كأملاك دولة مسألة تقنية لا سياسية. هذا التمييز ليس ساذجاً فحسب، بل مضلل عمداً. فالضمّ الحديث لا يحتاج إلى إعلان درامي أو خطاب رسمي. يكفي أن تُعاد هندسة الأرض، وأن يُفرَض واقع قانوني وإداري جديد، وأن يُحاصَر السكان الأصليون داخل كانتونات مكتظة، حتى يصبح الإعلان مجرد تفصيل لاحق. هكذا تُدار الإمبراطوريات في القرن الحادي والعشرين: بلا ضجيج، وبكثير من الأوراق والأختام.
منذ اتفاق أوسلو، لم يكن الاستيطان عارضاً لمسار «السلام»، بل كان بنيته التحتية الحقيقية. في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات تُدار حول «الحل النهائي»، كانت الجرافات تعمل بلا توقف، وتُرسَم خرائط جديدة على الأرض، وتُصادَر الموارد، وتُفصَل القرى عن محيطها الطبيعي. السلطة الفلسطينية أُبقيت كجهاز إداري منزوع السيادة، فيما احتُفظ بجوهر السيطرة بيد الاحتلال. اليوم، يأتي قرار «أملاك الدولة» ليقول بوضوح: ما كان مؤقتاً انتهى، وما كان موضع تفاوض أُغلق.
ولعل المقارنة بسيناء تُستخدَم كثيراً لتجميل الصورة، لكنها في الحقيقة تؤكد القاعدة ولا تنفيها. سيناء لم تُضم لأنها دخلت في معادلة سياسية دولية مختلفة، فرضت على إسرائيل ثمناً استراتيجياً للضم. أما الجولان، فضمّته إسرائيل حين أدركت أن الكلفة معدومة، والضفة الغربية تسير على المسار ذاته، لكن بتكتيك أكثر دهاءً وأقل صخباً.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس عن نيات إسرائيل، فهي باتت مكشوفة، بل عن عجز أو تواطؤ المجتمع الدولي. لماذا تُفرَض العقوبات على دول تنتهك القانون الدولي في حالات معينة، ويُغضّ الطرف حين تكون إسرائيل هي المنتهِكة؟ لماذا يُعامل الاحتلال كـ«نزاع قابل للإدارة» لا كجريمة مستمرة؟ الإجابة المؤلمة أن المعايير المزدوجة لم تعد خللاً في النظام الدولي، بل إحدى ركائزه غير المعلنة.
إن أخطر ما في قرار تسجيل الأراضي ليس ما يأخذه من الفلسطينيين، بل ما يكشفه عن العالم: عالم فقد الشجاعة السياسية، واستبدل العدالة بالواقعية، والقانون بالتوازنات. في هذا السياق، لا يعود الضمّ حدثاً صادماً، بل نتيجة منطقية لنظام اختار الصمت شريكاً، والتغاضي سياسة، والانتظار فضيلة. وحين يُقنَّن السطو، يصبح الدفاع عن الحق فعلاً نخبوياً… ومقاوماً في آن واحد.
في المحصلة، لا تكمن خطورة قرار «أملاك الدولة» في عدد الدونمات التي تُصادَر، بل في الفلسفة التي تقف خلفه: فلسفة تعتبر القانون أداة بيد القوة، لا قيداً عليها. وحين يُدار الاحتلال بالأختام بدل الدبابات، ويُقنَّن السطو بدل أن يُدان، لا يكون السؤال عن مستقبل الضفة الغربية فقط، بل عن مصير نظام دولي اختار الصمت شريكاً، والشرعية قناعاً، والضمّ أمراً اعتيادياً.

 

 

شارك هذا الخبر!