بيت لاهيا / قطاع غزة / PNN / نسمة الحرازين - يقف يوسف الشافعي (20 عاماً) وسط أنقاض منزله العائلي المدمر في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، باحثاً عن ملامح حياة كانت قائمة هنا قبل أن تبتلعها الحرب.
لم يعد من المنزل سوى أكوام من الركام والحديد الملتوي، فيما اختفت كل الإشارات التي كانت تدل على أن ثمانية أفراد عاشوا يوماً بين جدرانه.
يقول الشافعي وهو يتأمل الأنقاض: "أشعر وكأنني عدت لأعرّف نفسي إلى الركام."
قبل الحرب، كان مستقبل الشافعي مرسوماً بوضوح. فقد كان يستعد للسفر إلى مصر في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لمواصلة دراسة الطب، إلا أن إغلاق المعابر حال دون ذلك، فبقي في جنوب قطاع غزة برفقة جدته بانتظار فرصة السفر.
ومع تصاعد الحرب وانقطاع التواصل بين شمال القطاع وجنوبه، فقد الشافعي الاتصال بعائلته التي بقيت في بيت لاهيا.
في البداية كانت الأخبار تصل متقطعة، ثم أصبحت الرسائل أقل فأقل، قبل أن تتحول إلى أنباء موجعة عن فقدان أفراد أسرته.
يقول الشافعي: "في 13 نوفمبر، قُتل والدي وأخي الأكبر."
وبعد أسبوعين فقط، تلقى نبأ مقتل والدته وشقيقه الأصغر في قصف استهدف المكان الذي كانوا يتواجدون فيه.
ويضيف: "وصلتني الأخبار على دفعات، وفي كل مرة كان الشعور وكأنني أفقدهم من جديد."
قبل الحرب، عاشت عائلة الشافعي حياة متواضعة. كان والده يعمل لتأمين احتياجات الأسرة، بينما كانت والدته تدير تفاصيل الحياة اليومية. أما يوسف، الابن الثاني، فكان يقضي وقته بين الدراسة وحفظ القرآن الكريم، حاملاً حلم أن يصبح طبيباً في المستقبل.
لكن الحرب غيّرت مسار حياته بالكامل

فبعد فقدان والديه، وجد نفسه مسؤولاً عن خمسة من أشقائه الأصغر سناً الذين نجوا من الحرب.
وفي قطاع غزة، حيث لا تزال تحديات الحصول على الغذاء والمياه النظيفة والمأوى تشكل جزءاً من الحياة اليومية، لم يكن أمامه متسع من الوقت للحزن.
يقول: "عندما يسألني إخوتي عن والدينا، أخبرهم أنهما في الجنة. لا أستطيع أن أشرح غيابهما دون أن أنهار."
وفي وقت لاحق، عاد الشافعي سيراً على الأقدام إلى شمال القطاع ليلتقي أشقاءه في مدينة غزة بعد رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر.
ورغم ذلك، ما تزال صورة العائلة غير مكتملة، إذ لا يزال مصير عدد من أقاربه مجهولاً حتى اليوم.
ويقول: "هذا النوع من الغياب هو الأصعب."
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية ووكالات الأمم المتحدة، قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين خلال الحرب، فيما شكلت النساء والأطفال نسبة كبيرة من الضحايا. كما تعرض القطاع الصحي في غزة لأضرار واسعة النطاق نتيجة الحرب المستمرة.
ورغم حجم الخسارة والدمار الذي أحاط بحياته، لا يزال الشافعي متمسكاً بحلمه في استكمال دراسة الطب والعمل طبيباً في المستقبل.
ويستعيد عبارة كان والده يرددها دائماً: "احفظ القرآن يحفظك الله."
ويضيف: "اليوم أشعر أنني أعيش داخل هذه الكلمات."
وقبل أن يغادر أنقاض منزله، ألقى نظرة أخيرة على المكان وقال بهدوء:
"أشعر أنهم ما زالوا يرونني... وهذا يكفيني لأواصل الطريق."
