غزة/PNN- ظهرت أكاديميات كرة القدم في قطاع غزة في البداية كمبادرات من الأندية الرياضية بهدف اكتشاف المواهب واختيار أفضلها، وتكوين قاعدة من اللاعبين يمكن الاستفادة منها مستقبلًا في تدعيم صفوف الفريق الأول. وكانت أكاديمية نادي الهلال في مدينة غزة أول أكاديمية في القطاع تحصل على ترخيص من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وذلك في ديسمبر/كانون الأول 2015.
ولاحقًا، اتبعت أندية أخرى، من بينها غزة الرياضي وخدمات رفح واتحاد خانيونس وخدمات الشاطئ، النهج ذاته.
ويقول المدرب الفلسطيني عماد بارود إن أكاديميات كرة القدم "تحولت مع مرور الوقت إلى مشاريع استثمارية ربحية، بالتوازي مع الحفاظ على جوهرها في اكتشاف المواهب وتزويد الأندية بلاعبين ذوي مهارات عالية"، وذلك مع ظهور مؤسسات متخصصة، من بينها أكاديمية "Champions".
ويضيف بارود المدرب أن جميع الأكاديميات في غزة خضعت قبل الحرب لتقييم من وزارة الشباب والرياضة والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وحصل بعضها على الترخيص بعد استيفاء شروط محددة، أبرزها وجود ملعب خماسي على الأقل، ومجلس إدارة وجهاز فني مؤهل، إلى جانب اشتراط حصول المدير الفني للأكاديمية المرخصة على شهادة التدريب الآسيوية من المستوى الأول (A) أو الثاني (B).
ومنذ اندلاع الحرب عام 2023، تعرضت 98% من البنية التحتية الرياضية في قطاع غزة للتدمير الكلي، بما في ذلك أكاديميات كرة القدم، وفق ما أعلنت اللجنة الأولمبية الفلسطينية في أبريل/نيسان 2026.
ورغم ذلك، تحاول الأكاديميات القليلة المتبقية، إلى جانب أخرى ظهرت حديثًا بإمكانيات محدودة في الغالب، مواصلة تدريب الناشئين واكتشاف المواهب، رغم النقص الحاد في المستلزمات الرياضية، من ملابس وكرات وأحذية.
ويعرب بارود عن ثقته في "بروز جيل جديد يقدّر قيمة كرة القدم ويكون رافدًا للأندية والمنتخب الوطني في المستقبل"، مستشهدًا بلاعبين فلسطينيين برزوا على الساحة، من بينهم حامد حمدان لاعب بيراميدز المصري، ومحمد صالح لاعب الريان القطري، وخالد النبريص المنتقل مؤخرًا من الإسماعيلي إلى سيراميكا، وجميعهم تألقوا بقميص المنتخب الفلسطيني.
وفي المقابل، يرى المدرب عماد بارود أن أكاديميات كرة القدم في غزة كانت قبل الحرب "تقترب من مرحلة النضج، لكنها لم تكن تعمل وفق معايير مثالية"، موضحًا أنها "مضت نحو تأسيس صناعة حقيقية للاعب كرة القدم بشكل منهجي واحترافي، وكانت هناك استراتيجيات تدريبية واضحة وثقافة كروية شعبية داعمة".
لكن الحرب، بحسب بارود، "عصفت بكل ذلك"، إذ فقدت الأكاديميات عددًا كبيرًا من مواهبها، إما بسبب استشهادهم أو نتيجة النزوح، فيما تعرض الناجون منهم لصدمات نفسية عميقة تحول دون عودتهم المباشرة إلى النشاط الرياضي.
ويؤكد أن هؤلاء الأطفال "بحاجة ماسة إلى برامج دعم نفسي وعلاج"، مشيرًا إلى أن الظروف الحالية لا تسمح للأكاديميات بممارسة نشاطها بصورة طبيعية، وأن استمرارها في العمل "يمثل تحديًا كبيرًا مع فرص نجاح ضئيلة"، في ظل غياب مقومات النجاح والمنهجية، فضلًا عن غياب الدور الإشرافي للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.
وينظر المدرب الفلسطيني عماد بارود إلى عودة بعض الأكاديميات إلى العمل وظهور أخرى جديدة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 باعتبارها "مصلحة متبادلة بين طرفين، بغض النظر عن النتيجة".
ويوضح أن صاحب الأكاديمية والمشرف عليها يبحث عن مصدر دخل، فيما يسعى ولي أمر الطفل، بالدرجة الأولى، إلى تفريغ الطاقة السلبية لدى ابنه، وهو ما قد يأتي، بحسب رأيه، على حساب تطوير المواهب الكروية.
ويشرح بارود أن "الإشكالية تكمن في الخلط بين اللاعب الموهوب واللاعب الباحث عن التفريغ النفسي"، معتبرًا أن كليهما لا يحصل على ما يحتاجه، لأن مدرب كرة القدم ليس مختصًا نفسيًا، كما أن رخص التدريب لا تؤهله للتعامل مع أطفال تعرضوا لصدمات الحرب، مشددًا على أن المدربين أنفسهم بحاجة إلى دعم نفسي.
ويرى المدرب الفلسطيني عماد هاشم بارود أن استمرار عمل الأكاديميات بهذه الطريقة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، "لن يؤدي إلى نتائج ملموسة"، داعيًا إلى توفير مساحات لعب آمنة وملاعب بديلة ضمن خطة إعادة الإعمار، باعتبارها "مشروعًا قوميًّا" يخفف في الوقت ذاته الأعباء المالية عن الأهالي، خصوصًا غير القادرين على دفع الرسوم.
كما يطالب المؤسسات الدولية العاملة في غزة، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، بالعمل على إدخال الكرات والمستلزمات الرياضية إلى القطاع، مشيرًا إلى أن هذه المستلزمات لم تصل إلى غزة خلال الحرب إلا عبر التهريب، قبل أن تباع بأسعار مرتفعة.
ولم يشكل اختلاف وجهات النظر بين هاشم وبارود عائقًا أمام إسلام أبو عريضة، مدرب نادي خدمات رفح، الذي أسس أكاديمية تبدو مرافقها مختلفة عن الصورة التقليدية للأكاديميات، وتعيد إلى الأذهان أوائل تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع عودة السلطة الفلسطينية إلى البلاد، عندما كانت المباريات تقام على أرضيات رملية.
ومن فكرة خطرت له بعد فترة من التفكير، وفي ظل فراغ وضغوط نفسية كبيرة، افتتح أبو عريضة في أواخر يونيو/حزيران 2026 أكاديمية كروية لاكتشاف المواهب على ملعب رملي في مكان نزوحه بمنطقة مواصي خانيونس جنوب القطاع.
والتحق بالأكاديمية عدد كبير من اللاعبين من مختلف الفئات العمرية، بدءًا من سن الخامسة وصولًا إلى 17 عامًا.
ويقول أبو عريضة: "كنت مترددًا في البداية بسبب الظروف الصعبة والقاسية، فغالبية الناس غير قادرة على دفع رسوم تتراوح بين 50 و60 شيكلًا، لكنني فوجئت بإقبال منقطع النظير، لدرجة أن زوجتي طلبت مني تخصيص مكان بعيد عن الخيمة للرد على الاتصالات الكثيرة من الأهالي الراغبين في تسجيل أبنائهم".
ولا يجد أبو عريضة حرجًا في الاعتراف بأن هدفه الأول من تأسيس "أكاديمية النجمة" هو توفير متنفس للأطفال والعائلات المحبة لكرة القدم، والمساعدة في تفريغ الضغوط النفسية والعصبية، خصوصًا الأطفال الذين يراقبون اللاعبين من خلف السياج بحسرة.
ويقول إن المشروع يحمل طابعًا استثماريًا بسيطًا بهدف تغطية التكاليف، لكنه لا يمانع في تسجيل أي طفل تعاني عائلته ظروفًا اقتصادية صعبة تمنعها من دفع الرسوم، مؤكدًا استعداده للسماح له باللعب مجانًا، لأن هدفه الأساسي هو "رؤية البسمة على وجوه الأطفال".
ويدرّب أبو عريضة اللاعبين المسجلين في الأكاديمية على أرض "لا ترقى لتسميتها ملعبًا"، وسط محاولات لتسوية الأرض وجعلها صالحة للركض ودوران الكرة قدر الإمكان.
وبالتوازي مع ذلك، يبحث عن مؤسسة تتولى رعاية المشروع، بما يضمن تغطية أجرة الملعب وتوفير الملابس الرياضية، بهدف التخفيف من الأعباء المالية عن اللاعبين وأسرهم.
وتحظى أكاديمية أبو عريضة وغيرها من الأكاديميات التي نشأت مؤخرًا بتشجيع وترحيب من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، نظرًا إلى دورها التربوي والنفسي والرياضي في تخفيف الأعباء النفسية عن الأطفال.
ويقول مسؤول دائرة الإعلام في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم مصطفى صيام إن هذه الأكاديميات "لم تحصل على الاعتماد الرسمي، وتقوم على اجتهادات شخصية"، لكنها تؤدي دورًا مهمًا في الظروف الراهنة.
وتواصل الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم مؤخرًا مع الأكاديميات التي حصلت على ترخيص قبل الحرب، بهدف تحديث بياناتها وتسوية أوضاعها تمهيدًا لإشراكها في بطولات الأندية أو تنظيم بطولات خاصة بها، بدءًا من مواليد عام 2009، باعتبارها الفئة العمرية التي يُنظر إليها على أنها أساس المستقبل.
عن هذا يتحدث بارود : "كُلّي ثقة في بروز جيل جديد يقدّر قيمة كرة القدم ويكون رافدا للأندية والمنتخب الوطني في المستقبل، مثل حامد حمدان لاعب بيراميدز المصري ومحمد صالح لاعب الريان القطري، وخالد النبريص المنتقل مؤخرا من الإسماعيلي إلى سيراميكا، وجميعهم لاعبين تألقوا بقميص منتخب فلسطين".
على الجهة المقابلة يؤمن المحلل الفني والمدرب عماد بارود أن أكاديميات كرة القدم بغزة قبل الحرب "اقتربت من مرحلة النضج، لكنها لم تكن تعمل وفق معايير مثالية" على حد وصفه، موضحًا: "مضت الأكاديميات نحو تأسيس صناعة حقيقية للاعب كرة القدم بشكل منهجي واحترافي، كان هناك استراتيجيات تدريبية واضحة وثقافة كروية شعبية داعمة".
"لكن الحرب عصفت بكل ذلك، ففقدت الأكاديميات الكثير من مواهبها إما شهداء أو بسبب النزوح، وتعرّض الأحياء منهم لصدمات نفسية عميقة تحول دون عودتهم المباشرة للنشاط الرياضي، فهم بحاجة ماسة لبرامج دعم نفسي وعلاج"، يقول بارود.
ويتابع: "لا تصلح الظروف الحالية لتزاول الأكاديميات نشاطها، وإن حدث فإن ذلك بمثابة تحدٍ كبير بفرص نجاح ضئيلة في ظل غياب مقومات النجاح والمنهجية وغياب الدور الإشرافي للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم".
وينظر بارود إلى عودة بعض الأكاديميات للعمل وظهور أخرى منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، على أنها "مصلحة متبادلة بين طرفين بغض النظر عن النتيجة، فصاحب الأكاديمية والمشرف عليها يبحث عن الدخل المادي، أما ولي أمر الطفل فكل ما يسعى إليه بالدرجة الأولى هو تفريغ الطاقة السلبية لابنه، الأمر الذي يلحق الضرر بتطوير المواهب الكروية".
ويشرح: "تكمن الإشكالية في الخلط بين اللاعب الموهوب واللاعب الباحث عن التفريغ النفسي، فلا يأخذ أيا منهما حقه، فمدرب كرة القدم ليس مختصا نفسيًا ورخص التدريب لا تؤهله للتعامل مع أطفال تعرضوا لصدمات حروب، فالمدربين أنفسهم بحاجة إلى دعم نفسي".
و"بعد 3 سنواتٍ من عمر الحرب فإن استمرار عمل الأكاديميات بهذه الطريقة العبثية لن يؤدي إلى نتائج ملموسة"، وفق ما يرى بارود الذي يعتقد أن "الأمر يحتاج لتوفير مساحات لعب آمنة وملاعب بديلة ضمن خطة الإعمار باعتبارها مشروعًا قوميًا يخفّف في الوقت نفسه التكاليف المادية على الأهالي خاصة أولئك الذي لا يستطيعون دفع الرسوم".
ويطالب بارود أيضًا المؤسسات الدولية العاملة بغزة وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) بالعمل على إدخال الكرات والمستلزمات الرياضية التي لم تصل إلى غزة طيلة الحرب سوى عن طريق التهريب، لتُباع لاحقا بأسعار فلكية.