الشريط الاخباري

جيل على حافة الضياع: من ينقذ التعليم الفلسطيني؟ بقلم سالي علاوي

نشر بتاريخ: 21-08-2026 | أفكار
News Main Image

​لطالما كان التعليم في فلسطين أكثر من مجرد حق أساسي أو خدمة تقدمها الدولة للمواطنين، بل كان مشروعاً وطنياً ارتبط ببقاء المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود. 

ففي ظل الاحتلال، وندرة الموارد، وتقلب الأوضاع السياسية والاقتصادية، بقي الإنسان الفلسطيني هو الثروة الحقيقية التي يعول عليها في بناء المستقبل. لذلك، كان الاستثمار في التعليم يعني الاستثمار في الإنسان، وفي قدرة المجتمع على النهوض مهما اشتدت الأزمات.

​لكن هذا القطاع الذي شكل لعقود مصدر قوة للفلسطينيين يواجه اليوم واحدة من أخطر مراحله. فالأزمة لم تعد تقتصر على تدمير المدارس أو تعطيل الدراسة أو نقص الإمكانات، وإنما أصبحت تمس جوهر العملية التعليمية وجودتها، وهو ما يهدد مستقبل جيل كامل. وإذا كان الفلسطيني استطاع التكيف مع كثير من الأزمات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يستطيع أن يتحمل خسارة التعليم أيضًا؟

​التعليم الفلسطيني .. من قصة نجاح إلى أزمة متراكمة

​عرف الفلسطينيون قيمة التعليم منذ عقود طويلة، حتى أصبح الحصول على الشهادة الجامعية حلماً تسعى إليه معظم الأسر، ليس فقط من أجل العمل، وإنما باعتباره وسيلة للارتقاء الاجتماعي والحفاظ على الهوية الوطنية. 

ولهذا ارتفعت نسب الالتحاق بالمدارس والجامعات، وبرز الفلسطينيون في مختلف المجالات العلمية داخل الوطن وخارجه.

​غير أن السنوات الأخيرة حملت تحديات غير مسبوقة. فالاحتلال الإسرائيلي، وما يرافقه من حواجز وإغلاقات واقتحامات واستهداف للمؤسسات التعليمية، أدى إلى تعطيل الدراسة في كثير من المناطق. كما أن الحروب المتكررة، خاصة في قطاع غزة، دمرت مئات المدارس والجامعات وحرمت آلاف الطلبة من حقهم في التعليم.

​إلا أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تكفي لفهم الأزمة كاملة، لأن جزءاً من المشكلة نشأ أيضاً داخل النظام التعليمي نفسه، نتيجة تراكم الأزمات المالية، وضعف التخطيط بعيد المدى، وتأجيل إصلاحات ضرورية كان من الممكن أن تخفف من آثار الظروف السياسية.

​هل أعطي التعليم المكانة التي يستحقها؟

​من السهل أن نَصف التعليم بأنه أولوية وطنية، لكن الأولويات تقاس بالأفعال لا بالشعارات.

​فعلى مدى سنوات، واجه قطاع التعليم أزمات مالية متكررة، انعكست على المعلمين والمدارس والطلبة. وأصبحت أخبار تأخر الرواتب أو تقليصها أمراً معتاداً، بينما بقيت احتياجات المدارس للتطوير والتجهيز تتراكم عامًا بعد عام.

​وهنا يبرز تساؤل لا يمكن تجاهله: إذا كان التعليم هو أساس بناء الدولة، فلماذا ظل أكثر القطاعات تأثراً بالأزمات المالية؟ وهل يكفي أن نعزو كل التراجع إلى الظروف السياسية، أم أن هناك حاجة إلى مراجعة السياسات التي تعاملت مع التعليم باعتباره ملفًا يمكن تأجيله؟

​إن الاعتراف بوجود مسؤولية داخلية لا يعني تجاهل تأثير الاحتلال، بل يعني أن مواجهة الأزمة تتطلب مصارحة حقيقية، لأن أي إصلاح يبدأ أولًا بالاعتراف بمواضع الخلل.

​عندما يُهمَل المعلم .. يضعف التعليم كله

​لا توجد منظومة تعليمية ناجحة دون معلم يشعر بالأمان والاستقرار.

​المعلم الفلسطيني وجد نفسه خلال السنوات الماضية أمام تحديات كبيرة؛ فهو مطالب بتقديم أفضل أداء، بينما يعيش ضغوطاً مالية ونفسية متواصلة. وتأخر الرواتب أو صرفها منقوصة لم يؤثر فقط في حياته الشخصية، بل دفع كثيرين إلى البحث عن أعمال إضافية لتوفير احتياجات أسرهم، وهو ما انعكس على قدرتهم على التفرغ لمهنتهم.

​كما أن استمرار هذه الظروف أدى إلى تراجع مكانة مهنة التعليم في نظر الشباب، وأصبح كثير من الخريجين يتجهون إلى مهن أخرى توفر استقرارًا أكبر.

​وهنا تكمن الخطورة؛ فالمشكلة لا تتوقف عند المعلم، بل تمتد إلى الطالب الذي يفقد جزءاً من جودة التعليم، ثم إلى المجتمع الذي سيواجه مستقبلاً أجيالًا أقل تأهيلاً. لذلك، فإن أي حديث عن تطوير التعليم دون تحسين أوضاع المعلم سيبقى حديثًا ناقصًا.

​الطالب يدفع الثمن الأكبر: تراكم الفاقد التعليمي والأمية المقنعة

​كل خلل في المنظومة التعليمية يصل في النهاية إلى الطالب ​فالانقطاع المتكرر عن الدراسة، وتراكم الفاقد التعليمي، وظهور مؤشرات للأمية المقنعة في المراحل الأساسية، إلى جانب ضعف البيئة المدرسية والضغوط النفسية، كلها عوامل تؤثر في مستوى الطالب العلمي والشخصي. وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الآثار لا تظهر فوراً، بل تتراكم مع مرور السنوات، لتنعكس لاحقًا على الجامعات وسوق العمل والتنمية الاقتصادية.

​إن خسارة سنة دراسية لا تعني فقط خسارة معلومات، بل قد تعني خسارة مهارات أساسية في التفكير والقراءة والتحليل، وهي خسائر يصعب تعويضها مهما بذلت الجهود لاحقًا.

​التعليم عن بُعد .. ضرورة فرضتها الأزمات لا حلًا كاملًا

​خلال الأزمات، اتجهت المؤسسات التعليمية إلى التعليم الإلكتروني والتعليم المفتوح لضمان استمرار الدراسة، إلا أن التجربة كشفت عن فجوة كبيرة بين الفكرة والتطبيق.

​فالعديد من الطلبة لا يملكون أجهزة حاسوب أو هواتف مناسبة، كما تعاني أسر كثيرة من ضعف خدمة الإنترنت أو عدم القدرة على تحمل تكلفتها. وحتى في البيوت التي تتوفر فيها الإمكانات، فإن متابعة الأبناء ليست دائمًا أمرًا ممكنًا.

​أما المعلم، فقد طُلب منه الانتقال إلى أساليب تدريس جديدة دون أن يحصل جميعهم على التدريب أو الأدوات اللازمة.

​لهذا فإن نجاح التعليم عن بُعد لا يعتمد على القرار نفسه، بل على توفير البيئة التي تجعل هذا القرار قابلًا للتطبيق. وإلا فإن العبء سينتقل من المؤسسة إلى الأسرة والمعلم والطالب، دون أن تتحقق الأهداف المرجوة.

​مسؤولية المجتمع في حماية التعليم

​إذا كانت المؤسسات تواجه صعوبات في معالجة جميع جوانب الأزمة، فإن المجتمع لا يستطيع الوقوف متفرجًا ​فالأسرة هي الشريك الأول في العملية التعليمية، ويمكنها أن تعزز القراءة داخل المنزل، وتتابع أداء أبنائها، وتوفر لهم بيئة تشجع على التعلم.

​كما يستطيع المجتمع المحلي إطلاق مبادرات لدعم الطلبة المحتاجين، وتنظيم دروس مجانية، وتوفير أجهزة إلكترونية، وإنشاء مجموعات تعليمية صغيرة تساعد في تعويض الفاقد التعليمي.

​ويمكن للجامعات، والبلديات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الأهلية أن تلعب دورًا أكبر في دعم المدارس والمعلمين، لأن حماية التعليم لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت مسؤولية وطنية مشتركة.

كيف يمكن إنقاذ التعليم الفلسطيني

​إن إصلاح التعليم الفلسطيني يتطلب أكثر من حلول مؤقتة، فهو يحتاج إلى رؤية استراتيجية تعتبر التعليم استثمارًا طويل الأمد لا بندًا يمكن تقليصه عند أول أزمة.

​وتبدأ هذه الرؤية بتحسين أوضاع المعلمين، وتطوير المناهج، وإعادة تأهيل المدارس، والاستثمار في التكنولوجيا، ووضع خطط لمعالجة الفاقد التعليمي، وضمان العدالة في وصول جميع الأطفال إلى تعليم جيد، بغض النظر عن ظروفهم الاقتصادية أو أماكن سكنهم.

​قد تتجاوز فلسطين أزماتها السياسية والاقتصادية، وقد يعاد إعمار المدارس التي دُمرت، لكن السنوات التعليمية التي تضيع من عمر الأطفال لن تعود كما كانت.

​إن الاحتلال يتحمل مسؤولية كبيرة عما وصل إليه التعليم الفلسطيني، لكن هذا لا يلغي مسؤولية المؤسسات الفلسطينية عن حماية هذا القطاع وإعطائه المكانة التي يستحقها. كما أن المجتمع نفسه مطالب اليوم بأن يكون شريكاً في إنقاذ التعليم، لا مجرد متلقٍ لنتائج الأزمات.

​فالخطر الحقيقي لا يكمن في تراجع نتائج الامتحانات أو انخفاض نسب النجاح، بل في أن نستيقظ بعد عشر سنوات لنجد أن جيلًا كاملًا دخل الحياة وهو يحمل آثار أزمات لم يكن مسؤولًا عنها.

​إن السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع ليس كيف نعبر الأزمة الحالية فحسب، بل كيف نحمي الإنسان الفلسطيني من أن يفقد أهم سلاح امتلكه عبر تاريخه: التعليم.

 

شارك هذا الخبر!