غزة /PNN / أزهار الكحلوت - «وطني يا جبل الغيم الزرقا.. وطني يا قمر الندى والزنبق.. يا حلو يا تراب اللي سبقونا.. يا زغير ووسع الدني، وسع الدني يا وطني».
تخرج الكلمات من أفواههن دفعة واحدة، تتوزع في الغرفة قبل أن تعود فتلتقي في لحن واحد. أيدٍ تتحرك مع الإيقاع، وأخرى تضرب بخفة على الفخذ أو تشير إلى بداية المقطع التالي. أمامهن يجلس عازف العود، تمر أصابعه على الأوتار فيما تتبع العيون يديه، وفي المقدمة تقف مدرّبتهن، تردد معهن وتلتقط أي صوت يخرج عن اللحن.
تتوقف المدربة. تعيد المقطع ببطء، تغنيه مرة، ثم تتركه لهن. يعاودن الغناء. هذه المرة تقترب الأصوات من بعضها أكثر، ويصبح اللحن أكثر تماسكًا. فلا أحد هنا يغني منفردًا؛ كل صوت عليه أن يجد مكانه بين الأصوات الأخرى.
هذه الأغنية، «وطني» لفيروز، كانت أول أغنية غنتها الجوقة معًا، وبقيت عالقة في ذاكرة الصحفيات منذ ذلك اليوم.
لسنوات، حملت أصواتهن أخبار القصف والضحايا والنازحين، ونقلت شهادات الناس من بين الركام والخيام. أما هنا، في غرفة التدريب، فتحمل الأصوات شيئًا مختلفًا؛ تحمل أغنية.
ومن هنا بدأت حكاية جوقة صحفيات غزة؛ مجموعة من النساء اجتمعن أولًا في لقاء غنائي، ثم اكتشفن أنهن لا يردن أن تنتهي الحكاية بانتهاء ذلك اليوم.
بداية الحكاية
لم تبدأ حكاية الجوقة من غرفة التدريب. قبل «وطني» وكل ما جاء بعدها، كانت هناك فكرة أبسط لدى شروق الأسعد: أن تغني الصحفيات معًا.
كانت الأسعد، مديرة مشغل فلسطين للصحافة وصاحبة مبادرة جوقة الصحفيات في غزة، تتابع أحوال الصحفيات منذ بداية الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتعرف حجم الضغط والتعب الذي يرافق عملهن. وكانت هي نفسها تشارك أحيانًا في مجموعات للغناء الجماعي، وتعرف ما يمكن أن تمنحه هذه المساحة من خفة وراحة.
وخلال وجودها في معهد إدوارد سعيد في رام الله، دار حديث عن دور الموسيقى في جمع الناس ومساعدتهم على التعبير عن أنفسهم في الأوقات الصعبة. وجدت شروق في الفكرة ما يمكن أن تقدمه للصحفيات، فقررت أن تبدأ بتجربة بسيطة.
لكن الفكرة لم تلقَ حماسًا كبيرًا في البداية. حين طرحتها على زميلاتها في المشغل، استغربت بعضهن وتساءلن: «أنا شو بدنا نروح نغني؟ ليه بدنا نروح نغني؟».
كان رد شروق بسيطًا: «روحوا، إذا ما انبسطتوا ما تكملوا».
نحو 30 صحفية توجهن إلى اللقاء الأول في منطقة النصيرات وسط القطاع، دون أن يعرفن مسبقًا ماذا ينتظرهن. لكن اللقاء انتهى بشيء لم يكن في الحسبان؛ غناء وضحك وحديث طويل عن تفاصيل الحياة التي تركنها جانبًا طوال شهور الحرب.
شجّع ذلك على تنظيم لقاء آخر في حي الرمال غرب مدينة غزة، بمشاركة نحو 50 صحفية، وبحضور آلات العود والأورغ والطبلة التي وفرها المعهد بالتنسيق مع المشغل. كان من المفترض أن يستمر اللقاء ساعة واحدة، لكنه امتد إلى أربع ساعات، وواصلت الصحفيات الغناء والحديث دون رغبة في المغادرة.
ومع تكرار الحديث عن التجربة، ظهرت فكرة تحويل تلك اللقاءات إلى جوقة مستمرة.
في النصيرات، حيث تجتمع المجموعة حاليًا، أصبحت التدريبات موعدًا أسبوعيًا تنتظره الصحفيات، رغم صعوبة الحركة والظروف المحيطة.
تقول شروق عن تلك الساعة: «لساعة واحدة بيكونوا فيها مش صحفيات ولا أمهات ولا أخوات؛ بيكونوا مجرد صبايا بيعبروا عن حالهم».
وفي هذه الساعة، بدأت كل واحدة تحمل إلى الجوقة حكايتها الخاصة مع الصوت؛ بعضهن عرفنه منذ الطفولة، وأخريات اكتشفنه للمرة الأولى.
صوت قديم يعود
بالنسبة إلى ملاك أبو عودة (28 عامًا)، بدأت علاقتها بالغناء قبل الصحافة بسنوات؛ ففي بيتها كانت أمها تكتب الشعر وتحب أغاني أم كلثوم، وكانت تغني لابنتها الصغيرة ألحانًا حفظتها ملاك عن ظهر قلب. وحين بلغت الثالثة من عمرها، سمعتها أمها تغني وحدها وهي تلعب، لتكتشف أن في صوتها موهبة مبكرة.
تقول ملاك: «الغناء بالنسبة لي هو الموهبة الأم لأنه من طفولتي؛ وعيت على الدنيا ولقيت حالي بغني، وهو اللي خلاني أكتشف المواهب الأخرى.. أنا لو بغنيش كان اليوم مش صحفية».
انضمت ملاك إلى الجوقة من خلال «مشغل فلسطين للصحافة»، لتجد نفسها تغني إلى جانب صحفيات عشن معها تفاصيل الحرب وتغطيتها، وهو ما أعطى التجربة بالنسبة لها معنى مختلفًا.
تستذكر ذلك قائلة: «أنا بشارك ناس من المهنة عاشوا معي أصعب الظروف، وحاليًا بشاركهم أجمل الأوقات.. في بيننا مشاعر متشاركة جدًا ومتزاحمة، ونفرغ مع بعض كل اللي عشناه بالعدوان. من خلال الجوقة بنحكي لكل العالم: إحنا كمان لنا صوت حلو بيشبه الحياة والحب والحرية.. بدناش نحكي بس عن القصف والموت، من حق الوطن علينا نغني له ونجمّله».
وتضيف وهي تبتسم بخفة: «طول عمري بتخيل بعز وقت الحرب أمنيّتي أعزف عود عشان أفرغ الحزن.. واليوم تحقق هذا الشيء، وحصير صحفية تعزف عود وبتغني كمان».
صوت يُكتشف للمرة الأولى
تقود شيرين زيدان تدريبات الجوقة، مستفيدة من دراستها للتربية الموسيقية في «معهد إدوارد سعيد»، وتتابع مع الصحفيات أصواتهن وتعمل على تطويرها.
ومع انتظام التدريبات في النصيرات، بدأت شيرين تعمل مع كل صحفية على حدة، وتجلس أمامها برفقة آلة العود لتتعرف إلى طبقة صوتها ومساحته، وتساعدها على استخدام صوتها بشكل أفضل.
توضح شيرين: «التدريبات لا تغير الأصوات لأن الموهبة موجودة أصلًا، بل تنميها وتصقلها.. والحديث هنا عن صحافة تعبر عنا كشعب؛ فما بالك حين تعبر عنه بالموسيقى؟ إحنا نختار أغانٍ نابعة من واقعنا ومن حياتنا واللي بنعيشه، فنصل بذلك رسالة للجميع ولأنفسنا أيضًا.. نحن تعبنا ونحتاج إلى المساحة لنستريح».
كانت دعاء الحاج أحمد (22 عامًا) تكتفي بالدندنة مع الأغاني عبر هاتفها المحمول، قبل أن تجد نفسها تغني إلى جانب صحفيات أخريات داخل الجوقة.
وخلال أحد التدريبات، غنت أمام شيرين مقطعًا وطنيًا لفيروز، لتفاجئها المدربة بالقول: «صوتك حلو واشتغلي عليه».
تقول دعاء: «إحنا مش جايين نغني بس، إحنا جايين نتعلم كيف نغني صح».
منذ ذلك الوقت، بدأت دعاء تتعلم أساسيات الغناء، من السلم الموسيقي والإيقاع والزمن إلى السكتات، واكتشفت أن الأمر يتجاوز مجرد الدندنة التي اعتادتها.
ومع الوقت، أصبح موعد التدريب بالنسبة لها مساحة تنتظرها كل أسبوع.
وتردف: «السبت صار بالنسبة لنا تفريغًا نفسيًا؛ بنحكي المشاكل والكبت اللي جواتنا قبل ما نغني.. وهذا الشيء زاد حبي وحماسي للغناء، وخلاني أفكر أستمر وأتعلم أكثر».
كانت ياسمين سلمي الفيومي (25 عامًا) تحمل معها نوتة صغيرة دوّنت فيها درجات السلم الموسيقي خلال تدريبات الجوقة.
ومع الجوقة، استعادت ياسمين تفاصيل صغيرة غابت عنها خلال الحرب، من قهوة الصباح وأغاني فيروز إلى الرسم والموسيقى والرغبة في الاستمرار.
تقول ياسمين: «الصحفي مش بس دم ودمار وشهداء وتغطية؛ الصحفي كمان لازم يلقى حاله في الحياة.. والجوقة رجعت لي هذه المساحة، ورجعت معها هواية الرسم والموسيقى والرغبة للاستمرار».
رغدة البحيصي (32 عامًا)، دخلت التجربة في بدايتها باعتبارها ترفيهًا، قبل أن تكتشف قيمة الغناء الجماعي: «أول شيء اكتشفته هو كيف أطور صوتي، وأن الكورال يضفي نكهة خاصة تختلف عن الغناء الفردي.. وشعرت بجمال التنسيق الحقيقي حين غنينا إلى جانب جوقة من الفتيات والطفلات».
وتجلس نيلي المصري (38 عامًا) بين زميلاتها في التدريب، وتردد الكلمات معهن، مستعيدة شيئًا من خبرتها القديمة أمام الميكروفون. كانت مذيعة وصحفية، فأعادها الغناء إلى مهارات اعتادت عليها في عملها الإذاعي، مثل مخارج الحروف والتحكم في النفس الطويل.
«الغناء ضمن فريق كان مشجعاً كبيراً لي؛ فالكل يغني بصوت واحد بيلغي الفرق بين الأصوات. ورغم صعوبة المواصلات من دير البلح إلى النصيرات، أصبحت أنتظر يوم السبت بحماس شديد.. حين أغني أشعر أنني أطير في السماء وتخف الأعباء النفسية».
ولم تعد الجوقة بالنسبة إلى الصحفيات مجرد لقاءات عابرة، بل أصبحن يتطلعن إلى إطلاق اسم رسمي لها، وإنشاء صفحة توثق أعمالهن، وإقامة عروض يستمع فيها الناس إلى أصواتهن.
وبالنسبة إلى شروق الأسعد، فإن استمرار الجوقة هو الهدف الأساسي من المبادرة. فالغناء بالنسبة لها ليس شيئًا ينتظرن ممارسته بعد انتهاء الحرب، بل مساحة اخترنها الآن وسط الظروف الصعبة.
هذه المرة، لا يغنين لنقل خبر أو رواية ما عاشه الآخرون، بل يغنين لأنفسهن وللحياة التي يحاولن التمسك بها. وكما تقول شروق: «إحنا في مرحلة صعبة ومضطرين نمر منها، وهذه المرة اخترنا يكون طريقنا عن طريق الغناء.. محاولة النجاة للناس ممكن تكون من خلال الفن».
وحين تتلاقى أصواتهن في لحن واحد، ربما لا يغيّر ذلك شيئًا في العالم خارج الغرفة؛ لكنه يغيّر شيئًا في داخلهن.