أربعون يوماً على غياب الحارس.. سليمان منصور، حين يُزهر الطين في حضرة النبوءة
أربعون شروقاً وغروباً مرت على ترجّل الفارس الذي لم يغادر السرج قط. بأصابع امتزجت بغبار الأرض ورائحة الليمون والزعتر، رسم سليمان منصور وجوهنا، كمن يحرسها من النسيان. لم يكن طلاء ألوانه مجرد خلطة كيميائية، بل كان عرق الفلاحين، ودمع الأمهات الثكالى، وصلابة الصخر في الجبال.
في وطني، وُلد سليمان ليكون ابناً باراً لكل تفصيلة مقدسة. لم تكن الهوية عنده بطاقة مرور، بل كانت نبضاً يعبر الأديان والجهات. عاش كفلسطيني عروبي، ينبض قلبه مع كل حجر وكل شجرة زيتون معمرة، ومات مسيحياً فلسطينياً، حاملاً صليب الألم والرجاء، طائفاً في محراب الوطن الواحد الذي لا يفرق بين دمعة وأخرى. لقد صهرته القضية في بوتقتها حتى ما عاد هناك فرق بين لون الطين ولون الروعة في لوحاته؛ فالصليب والهلال والقمح والينابيع كانت كلها تعزف لحناً واحداً في قيثارته.
وحين غادرنا، ألقى في وجه العتمة نبوءته الأخيرة، تلك التي تشبه وصايا الأنبياء: "سوف تتحرر فلسطين بعد موتي بعام".
يا سليمان، كم هي قاسية هذه الأرقام، وكم هو ثقيل غيابك. هل كنت تراهن على اشتياق الروح للمدى، أم أنك أردت بدموعنا أن نغسل عتبات الحلم حتى يشرق الغد؟ أربعون يوماً ونحن ننظر إلى لوحاتك، فنسمع صمتك الناطق، ونلمس أثر أصابعك الباقية على جدران الذاكرة.
تمر الأيام، ويبقى السؤال معلقاً بين الأرض والسماء: هل ستصدق نبوءتك يا رفيق الدرب والفرشاة؟ هل سيزهر العام المنتظر ليطوي فراقك ويحقق وعدك المعلق على شرفات القدس؟
رحم الله سليمان منصور.. الحاضر في كل زاوية من زوايا الحلم الفلسطيني، والساكن في عيون الطين الذي لا يذبل.
يوسف كتلو
2026/10/11