الشريط الاخباري

التفاف أميركي حول الاتفاق مع إيران رغم التناقضات بقلم د. سنية الحسيني

نشر بتاريخ: 25-06-2026 | أفكار
News Main Image

يدعم 78% من الأميركيين إنهاء الحرب مع إيران، ويعتبر 57% منهم أن الحربخلقت مشاكل أكثر مما قدمت حلولاً. فيعيش الاقتصاد الأميركي صدمةتضخمية مرتبطة بالحرب والطاقة، فالتضخم بقي مرتفعاً بسبب صدماتالعرض والطاقة المرتبطة جزئياً بصراع الشرق الأوسط. وتفضل الإدارةالأميركية بقوة الاتفاق مع إيران لوقف الحرب نهائيا، وانعكس ذلك في الاتفاقالذي تفاهم حوله البلدان وأعلن عنه قبل أيام، إلا أن هذا الاتفاق في الوقتنفسه أثار غضب إسرائيل مع تباعد متزايد في ترتيبات «اليوم التالي». فيإطار كل تلك التطورات، تنقسم المواقف داخل الولايات المتحدة حول الاتفاق،ليس فقط بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل أيضاً داخل كل حزب، ما يعكستعقيدات تمر بها عملية صنع القرار في الولايات المتحدة. فإليّ أين تتجه الأموربين الحليفين الحميمين، وداخل الولايات المتحدة؟

رفعت الحرب أسعار النفط والطاقة، ما أدى لزيادة التضخم، الذي يدفع البنكالفيدرالي لرفع الفائدة، ويرفع تلقائياً عائد السندات الجديدة، في ظل تصاعدالمخاوف من عجز الميزانية والديون الحكومية. يجعل ارتفاع التضخم البنكالفيدرالي أقل استعداداً لخفض الفائدة، بل إن بعض البنوك مثل «بنك أوفأميركا» و»بنك دويتشه» باتت تتوقع رفع الفائدة لاحقاً خلال العام الجاري. إذااستمرت الحرب فالسيناريو المرجح أن يعود النفط للارتفاع، خصوصاً إذا بقيتحركة الشحن غير طبيعية في مضيق هرمز، مع بقاء التضخم، وارتفاع الفائدةوعوائد السندات. بينما إذا نجح الاتفاق وتوقفت الحرب فالسيناريو المرجح أنيواصل النفط والبنزين الانخفاض، ويهدأ التضخم العام بشكل أسرع،وتنخفض عوائد السندات تدريجياً، ويستقر الدولار.

 

لا تخفي القيادة الإسرائيلية غضبها من الاتفاق، خصوصا في الجزء الذييرتبط بلبنان، وكذلك المتنفس الاقتصادي المبكر جداً لإيران، قبل التحقق منالتزامها في الملف النووي. وبينما بات واضحاً أن وقف الحرب وعقد اتفاق معإيران يخدم الأمن القومي الأميركي، صرح عدد من الوزراء الإسرائيليين بأنحكومتهم لن تلتزم بالاتفاق، بينما هاجمت المعارضة نتنياهو، واتهمته بالفشلفي التأثير على واشنطن، رغم أنها لا تؤيد الاتفاق أيضاً. وتعتبر إسرائيل أنالاتفاق لا يحقق أهدافها.

 

يعكس الاتفاق موقفا متباعدا بين البلدين في إدارة الحرب وترتيبات «اليومالتالي». تعمل إسرائيل في المنطقة منذ السابع من أكتوبر دون إطار دوليملزم، وبدعم أميركي مفتوح. وبينما ترى واشنطن الآن أن وقف الحرب يخدمالأمن القومي الأميركي، ترى إسرائيل أن استمرار حرية العمل العسكري يخدمالأمن القومي الإسرائيلي. ويبدو أن واشنطن تحاول أن تعيد تعريف استخدامالقوة الإسرائيلية بما يخدم أولوياتها الإقليمية والاقتصادية والدبلوماسية، وذلكمن خلال الانتقال من منح إسرائيل حرية استراتيجية واسعة، إلى محاولةأميركية لضبط هذه الحرية ضمن إطار إقليمي ودولي بقيادتها.

 

يدعم إسرائيل نواب وشيوخ أميركيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري،وتدعم «الإيباك» أو لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة صراحة عدداً منهموتمول دعايتهم الانتخابية. أيدت «الإيباك» الضربات الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران ووصفتها بأنها حملة “تاريخية” أضعفت قيادة إيران وبرنامجها النووي وقدراتها العسكرية. وقد انتقدت «الإيباك» الاتفاق معتبرة أنه «يثير تساؤلاتجوهرية» حول الالتزامات الإيرانية بشأن البرنامج النووي، التي اعتبرتها«مبهمة وغير كافية»، وطالبت بأن يشمل الاتفاق النهائي إزالة كل اليورانيومالمخصّب من إيران، وتفكيك جميع منشآت التخصيب، ومعالجة برنامجالصواريخ الباليستية، ووقف دعم إيران للجماعات المسلحة.

 

تعكس مواقف نواب وشيوخ من الحزبين بعد الحرب تغيراً لافتاً تجاه تأييد سياسة إسرائيل و«الإيباك». يرفض تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية فيمجلس الشيوخ المدافع بشدة عن إسرائيل استمرار الحرب، رغم أنه انتقدالاتفاق ووصفه بأن «فن الاستسلام وليس السلام بالقوة». ورغم تلقي تسعةقادة ديمقراطيين بارزين أموالاً من «إيباك» بشكل معلن، إلا أنهم انتقدواصراحة استمرار الحرب. كما صوت بيل كاسيدي وسوزان كولينز وليزامورسكي من الشيوخ المؤيدين لإسرائيل لصالح قرار صلاحيات الحرب (War Powers Resolution). وهو قانون صدر العام 1973 يُقيّد صلاحية الرئيسفي إرسال القوات العسكرية إلى الخارج دون موافقة الكونغرس. وشكلالتصويت الأخير على قرار صلاحيات الحرب في 23 من الشهر الجاري الأولمن نوعه الذي ينجح في كلا مجلسي الكونغرس، بتصويت 50 مقابل 48، الأمريعكس تحوّلاً تاريخياً حتى بين الجمهوريين الداعمين لإسرائيل.

 

يبدو أن «الإيباك» في موقف ضعيف هذه المرة مقارنة باتفاق العام 2015،فحين عارضت إسرائيل و»الإيباك» اتفاق أوباما، ودعمت بالكامل من قبلالحزب الجمهوري، الذي امتلك الأغلبية في الكونغرس، استطاع أوباما تمريرقراره بإبرام الاتفاق كقرار تنفيذي، لم يستطع المعارضون عليه جمع الأصواتاللازمة لرفضه. في حين لا تملك «الإيباك» حالياً ذلك النسيج المتماسك منالدعم خصوصاً من داخل الحزب الجمهوري، لدعم استمرار الحرب أو لتقويضالاتفاق، فإصرار ترامب على وقف الحرب وتنفيذ الاتفاق، لن يواجه بمقاومةمعطلة، لا من قبل الديمقراطيين أو الجمهوريين، خصوصا أنه أيضا قرارتنفيذي لا يحتاج لموافقة الكونغرس. ويبدو أن الأمور تتجه نحو الأسوء، فقد بيناستطلاع حديث أن 60% من الجمهوريين أيدوا إنهاء الحرب، و56% منالمؤيدين المتحمسين لترامب المعروفين بتيار (MAGA) أو «لنجعل أميركاعظيمة مجدداً». كما أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية في نيويورك سقوط عدد من المرشحين المدعومين والممولين من «أيباك»، في مؤشر على أن نفوذها داخل الحزب الديمقراطي بدأ يتراجع مع نمو الجناح التقدمي المدافع عن الحقوق الفلسطينية وتقييد الدعم غير المشروط لإسرائيل.

 

يؤيد معظم الأميركيين إنهاء الحرب مع إيران عبر الاتفاق معها، ورغم ذلك يرىغالبيتهم أن هذا الاتفاق لم يحقق أفضل النتائج لبلدهم. تعرف بنية أعضاءمجلس النواب الجمهوريين بـ»العائلات الخمس» وهي أجنحة داخل الأغلبيةالجمهورية، تتدرج من اليمين المتشدد إلى المعتدلين البراغماتيين. وتنقسم هذهالأجنحة حول الموقف من الاتفاق الإطاري مع إيران، فيدعمه التيار التابعلترامب أو التيار الرسمي، بحجة أن الاتفاق يوقف الحرب ويفتح مضيق هرمزويخفّض الكلفة الاقتصادية. أما جناح الصقور الأمنيين فيقف على النقيض،ويعتبر أن الاتفاق يمنح إيران أموالاً وشرعية، من دون ضمانات كافية لتقويضالبرنامج النووي. وهناك الجناح المتحفظ الذي يطالب بمعرفة مزيد من التفاصيلوضمانات أكثر للاتفاق. في حين يبرز الجناح الانعزالي America First الذييهاجم في الأصل انخراط الولايات المتحدة في الحرب، والنفوذ الكبير لإسرائيلفي صنع القرار. كما يتبقى الجناح الداعم لموقف إسرائيل الذي يركز علىأمنها خصوصا في لبنان. وتنعكس هذه الأجنحة الخمسة بشكل مشابه علىمجلس الشيوخ، وإن كانت حدودها أقل حدة نظراً لطبيعة الشيوخ الذينيتمتعون باستقلالية أكبر وفترات أطول في المنصب.

 

بينما يتضح الانقسام في الحزب الجمهوري نفسه حول الاتفاق مع إيران،يتجسد ذلك الانقسام أيضا في صفوف الديمقراطيين. تنقسم الخريطة الحزبيةللديمقراطيين في مجلس النواب بين ثلاثة تيارات رئيسة هي: التقدميون، ويضم99 نائبا، ويعتبر التكتل الأكبر، والوسطيون أو الديمقراطيون الجدد، ويضم 94 نائباً يشكلون العمود الفقري التقليدي للحزب، والجناح الاقتصادي المعتدلالأقرب لتوجهات الرئيسين كلينتون وأوباما، والمحافظون المعتدلون الذين تقلصتأعدادهم كثيراً وباتت لا تتعدى الـ 10 نواب حالياً. ويتقاطع مع هذه التياراتالجناح المؤيد لإسرائيل، الذي يمتد عبر الوسطيين. لا توجد تلك التكتلات فيمجلس الشيوخ بشكل رسمي مماثل، مع بقاء تلك التوجهات عموماً. يعتبر تشاكشومر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ أن إيران تبدو رابحة فيالاتفاق، وأن الولايات المتحدة أصبحت في وضع أسوأ مما كانت عليه قبلالحرب. ووصف السيناتور ريتشارد بلومنتال الاتفاق بأنه «استسلام غيرمشروط»، ودعا لعرضه على مجلس الشيوخ لمراجعته. انتقد جيري نادلر المؤيدالتقليدي لإسرائيل الاتفاق، واعتبره لا يعالج الصواريخ أو الوكلاء الإقليميين،وأضعف من اتفاق العام 2015. واعتبر النائب غريغ ستانتون أن حرب ترامبكانت «كارثة»، وإن الاتفاق يقدم تنازلات ضخمة قبل الحصول على التزامنووي دائم من إيران.  

 

بات من الواضح أن الاتفاق لا يعكس في مضمونه انتصاراً أميركياً، بل قد يكون العكس هو الصحيح. تكشف مواقف الإدارة والكونغرس والرأي العامالأميركي أن الأولوية باتت تتجه نحو إنهاء الحرب وتخفيف كلفتها الاقتصاديةوالأمنية، حتى وإن ظل الاتفاق مع إيران محل انتقاد بين مختلف التياراتالسياسية. ورغم استمرار الانقسام الحزبي حول تفاصيل الاتفاق، إلا أنالمشهد الأميركي يظهر تقارباً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين حولضرورة تجنب حرب طويلة، بما يجعل فرص استمرار المسار التفاوضي أكبر منفرص العودة إلى التصعيد العسكري. ويعكس الغضب الإسرائيلي من الاتفاقتباعداً متزايداً عن الإدارة الأميركية في إدارة المرحلة المقبلة، وقد يكون أبعد منذلك، ورغم أنه ليس اختلافاً في الأهداف الإستراتيجية بين الحليفين بعد، إلا أنهبالإمكان استثماره لصالح ملفات مثل غزة ولبنان، وقد تتحسن فرص ذلك أكثرفي حال أفرزت انتخابات الكنيست القريبة القادمة حكومة مختلفة.

 



 

شارك هذا الخبر!