بيت لحم/PNN/ تقديم ريان ابو سرور - تحرير النص أية الشلش - ضمن جهودها في تعزيز الوعي الثقافي وحماية الرواية الفلسطينية، نظمت جمعية الرواد للثقافة والفنون بالتعاون مع شبكة PNN حلقة خاصة بعنوان “المكتبات الفلسطينية ودورها في نقل الحياة والواقع الفلسطيني”، استضافت خلالها الأديب ووزير شؤون الأسرى السابق Issa Qaraqe، للحديث عن أهمية المكتبات في حفظ الذاكرة الوطنية ونقل الهوية الثقافية الفلسطينية للأجيال القادمة.
وتأتي هذه الحلقة ضمن مشروع “الحقوق الثقافية الفلسطينية” الذي تنفذه جمعية الرواد للثقافة والفنون بالشراكة مع ASTM، بهدف تسليط الضوء على الدور الثقافي والمعرفي في مواجهة محاولات طمس الرواية الفلسطينية وتعزيز حضورها في الفضاء الثقافي والإعلامي.
وقال الأديب ووزير شؤون الأسرى السابق عيسى قراقع ، إن وضع المكتبات الفلسطينية بشكل عام “صعب جداً”، موضحاً أنها تفتقد إلى الدعم الكافي وتعاني من أزمات متراكمة أثرت على دورها الثقافي والمعرفي في المجتمع الفلسطيني.
وأشار قراقع إلى وجود قوانين أُقرت من قبل المجلس التشريعي والرئاسة الفلسطينية للحفاظ على حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، إضافة إلى وجود توجهات لمساندة دور النشر والكتّاب، إلا أن الأزمة ما زالت كبيرة ومركبة، في ظل ضعف الاهتمام والدعم المقدم للمكتبات الفلسطينية.
وأكد أن هناك تقصيراً داخلياً في دعم المكتبات ودور النشر والكتّاب، مشدداً على أن دعم المكتبة الفلسطينية يعني دعم المعرفة والإنتاج الثقافي والرواية الوطنية الفلسطينية، والحفاظ على الهوية الثقافية في مواجهة مختلف التحديات.
وأضاف قراقع أن الشعب الفلسطيني يعيش تحت ظروف سياسية صعبة في ظل الاحتلال، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الواقع الثقافي الفلسطيني، خاصة مع استمرار محاصرة الثقافة الفلسطينية وإغلاق العديد من المؤسسات الثقافية، إلى جانب فرض قيود على النشر في القضايا الوطنية المرتبطة بالرواية الفلسطينية والهوية التاريخية للشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن الاحتلال يفرض رقابة وحظراً حتى على إدخال الكتب من الخارج، في محاولة للتأثير على المحتوى الثقافي والمعرفي الفلسطيني، مؤكداً أن هذه السياسات تستهدف الوعي الفلسطيني والتاريخ والهوية الثقافية الفلسطينية بشكل مباشر.
ورغم هذه التحديات، أوضح عيسى أن المكتبات الفلسطينية لا تزال تحاول مواكبة التطورات العلمية والرقمية والتكنولوجية، والعمل على إتاحة المعرفة لأكبر قدر ممكن من الجمهور الفلسطيني، إضافة إلى نقل الثقافة الفلسطينية إلى العالم، باعتبارها جزءاً أساسياً من الرواية الوطنية الفلسطينية.
وأكد قراقع أن الثقافة تمثل شكلاً مهماً من أشكال المقاومة، قائلاً إن “الثقافة هي مقاومة، وربما من أهم أشكال المقاومة، لأن المستهدف من قبل الاحتلال هو الوعي الفلسطيني والهوية الثقافية والتاريخ الفلسطيني”.
وأضاف عيسى أنه بالعودة إلى ما قبل النكبة، كانت المكتبات الفلسطينية مزدهرة ومتطورة وتشكل جزءاً أساسياً من البيئة الحضارية للمجتمع الفلسطيني، حيث ارتبط وجودها بالحياة الثقافية والصحفية والأدبية، إلى جانب نشاط الكتّاب والشعراء والروائيين في مختلف المدن الفلسطينية.
وأوضح أن المكتبات الفلسطينية تمثل شاهداً تاريخياً وإنسانياً وثقافياً على وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، مؤكداً أن الحركة الثقافية الفلسطينية كانت دليلاً على حيوية المجتمع وتقدمه، في مواجهة الرواية الصهيونية التي حاولت الترويج لفكرة “أرض بلا شعب”، إلى جانب تصوير الفلسطينيين كشعب متخلف وغير مثقف لخدمة المشروع الصهيوني واحتلال فلسطين وإقامة دولة إسرائيل.
وأشار قراقع إلى أن العودة إلى تاريخ المكتبات الفلسطينية يؤكد وجود حياة ثقافية زاخرة قبل النكبة، شملت مختلف أشكال الأدب والفنون والمسرح والصحافة، لافتاً إلى أن فلسطين كانت تستضيف شخصيات ثقافية وفنية من مختلف أنحاء العالم العربي لإحياء الأمسيات الثقافية والعروض الفنية والمسرحية، ما يعكس مستوى الحراك الثقافي والحضاري الذي كان قائماً آنذاك.
وأوضح قراقع أن ما جرى خلال النكبة واحتلال فلسطين لم يكن مجرد احتلال للأرض فقط، بل رافقه مخطط متعمد وممنهج لتدمير الثقافة الفلسطينية وطمس معالمها. وأضاف أن آلاف الكتب الفلسطينية تعرضت للنهب، إلى جانب سرقة المكتبات الشخصية والعامة خلال حرب عام 1948.
وأشار إلى أن أحد الكتّاب الإسرائيليين وثّق في كتابه عمليات نهب الممتلكات العربية والكتب خلال تلك الفترة، واصفاً ما جرى بأنه تحول إلى “عمليات سرقة ونهب واسعة” استهدفت الكتب والثقافة الفلسطينية، مؤكداً أن الثقافة الفلسطينية تعرضت لهجمة كبيرة في محاولة لمحو الذاكرة والرواية التاريخية للشعب الفلسطيني.
وأضاف عيسى أن جزءاً كبيراً من الكتب والمقتنيات الثقافية الفلسطينية التي نُهبت بعد النكبة جرى نقلها إلى الجامعة العبرية وما يسمى “المكتبة الوطنية الإسرائيلية”، فيما تعرض قسم آخر للإتلاف، إضافة إلى بيع العديد من الكتب في أسواق النفايات الورقية، في إطار محاولات طمس الثقافة الفلسطينية ومحو وجود الشعب الفلسطيني.
وأكد قراقع أن “الثقافة هي الوجود، وشعب دون ثقافة ليس شعباً”، مشيراً إلى استمرار استهداف المكتبات الفلسطينية حتى اليوم، حيث أُغلقت قبل أعوام عدة مكتبات في القدس وجرى اعتقال العاملين فيها.
وأوضح أن المكتبات في القدس واجهت هذه الإجراءات بمواصلة نشر الكتب والمعرفة عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للحفاظ على وصول المعرفة والثقافة الفلسطينية إلى الجميع رغم التضييقات والإغلاقات
وبين عيسى إن ما يجري في قطاع غزة خلال الحرب لا يقتصر على استهداف الإنسان والمنازل، بل يشمل أيضاً ما وصفه بـ“الإبادة الثقافية”، مشيراً إلى أن هناك مخططاً متعمداً منذ بداية الحرب لاستهداف المواقع الثقافية والتراثية.
وأوضح أن أكثر من 250 موقعاً ثقافياً في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، من بينها مكتبة الجامع العمري الكبير، التي كانت تضم نحو 240 ألف مخطوطة نادرة، ولم يتبق منها سوى 38 مخطوطة فقط بعد عمليات التدمير والحرق.
وأكد قراقع أن استهداف هذه المؤسسات الثقافية يعكس بعداً سياسياً في الصراع مع الشعب الفلسطيني، يهدف إلى ضرب الذاكرة الثقافية والتاريخية، في محاولة لطمس الموروث الثقافي الفلسطيني وقطع صلته بالأجيال القادمة.
وأضاف قراقع أن هناك آلاف المخطوطات والأرشيفات الفلسطينية ما تزال محتجزة داخل الأرشيف العسكري الإسرائيلي، مع منع الإفراج عنها، في إطار ما وصفه بمحاولات لإعادة إنتاج معرفة بديلة تخدم الرواية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن ذلك يأتي ضمن “حرب مستمرة على الثقافة الفلسطينية”، تهدف إلى إثبات رواية تاريخية معينة على حساب الرواية الفلسطينية الأصلية، مؤكداً أن هذه السياسات أثّرت بشكل كبير على المشهد الثقافي والأنشطة المعرفية الفلسطينية.
وأوضح قراقع أن مشروع “المكتبة الوطنية الفلسطينية” يأتي في هذا السياق من أجل الحفاظ على الأرشيف الفلسطيني وجمعه من الشتات داخل الوطن وخارجه، وحمايته من السرقة أو التزوير والتشويه، معتبراً أن هذه المهمة “قتالية” للحفاظ على الذاكرة الوطنية.
ودعا إلى ضرورة توحيد الجهود بين المؤسسات الفلسطينية الرسمية والأهلية لدعم هذا المشروع، ومنع بقاء الرواية الفلسطينية مجزأة، والاستفادة من تجارب الشعوب التي نالت استقلالها وأسست مكتبات وطنية تحفظ تراثها. كما أشار إلى زيارته لعدد من المكتبات الفلسطينية في الخارج، خاصة في أوروبا، والاستفادة من تجاربها في حفظ الأرشيف الثقافي الفلسطيني.
وأضاف عيسى أن هناك ضرورة ملحّة لرقمنة الكتب والمصادر الثقافية الفلسطينية، وإنشاء نسخ رقمية واحتياطية خارج فلسطين، في ظل واقع الصراع واحتمال تعرض المؤسسات والمكتبات للاقتحام أو التدمير من قبل الاحتلال، بما يضمن حماية الإرث الثقافي من الضياع.
وأشار قراقع إلى أن الدراسات تشير إلى أن نسبة القراءة بين البالغين في المجتمع الفلسطيني لا تتجاوز نحو 2.7%، وهي نسبة وصفها بـ“المتدنية جداً والمقلقة”، مؤكداً أن هذا التراجع في الإقبال على القراءة يرتبط بالظروف السياسية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وبما وصفه بسياسات التضييق والاستعمار التي تؤثر على الحياة الثقافية.
وأوضح أن هذه التحديات تمثل جزءاً من مخطط أوسع يستهدف إضعاف الوعي الثقافي والمعرفي، داعياً إلى دور أكبر للمثقفين والجامعات والمدارس والمؤسسات في تشجيع الأجيال الشابة على القراءة، وتعزيز ثقافة المعرفة باعتبارها أساساً في بناء الوعي الوطني وصون الهوية الفلسطينية.
وأضاف قراقع أن التطور التكنولوجي وانتشار القراءة عبر الإنترنت أسهما إلى حدّ كبير في تراجع الإقبال على الكتب الورقية، مؤكداً ضرورة التوعية بأهمية عدم الاستغناء عن الكتاب والبحث العلمي، وبأهمية بناء مكتبة منزلية تعزز ثقافة القراءة وتكرّس “قدسية الكتاب” في المجتمع.
وأشار إلى أن الكتابة الورقية، بما في ذلك الصحف، تشكل جزءاً مهماً من التاريخ الثقافي الفلسطيني، لافتاً إلى أن فلسطين كانت تمتلك قبل الانتداب البريطاني عدداً كبيراً من الصحف التي لعبت دوراً محورياً في الحياة الثقافية والسياسية داخل الوطن وخارجه.
وأوضح عيسى أن القراءة عبر الإنترنت لا تعوّض القراءة من الكتاب الورقي، داعياً إلى إعادة الاعتبار للكتاب باعتباره مصدراً أساسياً للمعرفة. كما أشار إلى أن أصحاب المكتبات يشكون من تراجع الإقبال على شراء الكتب، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وارتفاع أسعار الكتب نتيجة ضعف دعم الكتّاب ودور النشر.
واختتم قراقع حديثه بالتأكيد أن تضافر العوامل الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية ساهم في إضعاف الإقبال على القراءة التقليدية، ما يستدعي عملاً مشتركاً لإعادة ترسيخ ثقافة الكتاب وتعزيز حضوره في الحياة اليومية الفلسطينية.
وأضاف أن غياب الثقافة يعني غياباً تدريجياً للوجود الفلسطيني، وهو ما وصفه بالأمر “المحزن والمقلق”، مشدداً على أهمية حماية الوعي الثقافي باعتباره جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية.
وفي المقابل، أشار قراقع إلى أن الشعب الفلسطيني يمتلك إرادة ثقافية حية ومستمرة، مستشهداً بالمعارض الثقافية والكتب التي تُقام في رام الله، والتي تتحول إلى مهرجانات ثقافية يشارك فيها عدد كبير من دور النشر من فلسطين وخارجها، وتعرض آلاف الكتب أمام الجمهور.
وأوضح أن هذه المعارض تشكل مساحة مهمة لإتاحة المعرفة وتعزيز القراءة وفتح المجال أمام الجمهور للاطلاع وشراء الكتب، إلى جانب تنظيم فعاليات ثقافية مرافقة مثل العروض السينمائية والوثائقية، وندوات لمناقشة وإشهار الكتب، بما يعكس حيوية المشهد الثقافي الفلسطيني رغم التحديات.