الشريط الاخباري

تقرير ل PNN عندما عاد الجرّاح لمعطفه الأبيض : د. عصام أبو عجوة.. من غرفة العمليات للمعتقل

نشر بتاريخ: 19-08-2026 | محليات , PNN مختارات , PNN حصاد , قناديل من بلدي , الصحة
News Main Image

غزة / PNN/ نسمة الحرازين - بين أروقة المستشفى العربي الأهلي "المعمداني" في مدينة غزة، وسط أجهزة التنفس والإنعاش في غرف العمليات، تختلط رائحة المعقمات بالدم. يد ترتجف ليس خوفًا، بل إرهاقًا. ضمادات قليلة ونزيف مستمر. لم يكن عصام أبو عجوة، الأخصائي بالجراحة العامة، يملك رفاهية التفكير أوالقلق.

مع أولى ساعات اندلاع الحرب على غزة، انتقل د. أبو عجوة لمستشفى المعمداني مباشرة. كان عدد أطباء الجراحة العامة في "المعمداني" لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بينما كان الشهداء والمصابون يتدفقون بأعداد هائلة من مناطق شرق غزة، التي وصلت لأكثر من مائتي حالة من أحياء الزيتون والشجاعية والدرج وغيرها من المناطق الشرقية .

بدأ د. أبو عجوة عمله متطوعًا من دون أجر؛ جراح متقاعد من وزارة الصحة الفلسطينية، لكنه مع بداية الحرب وقلة عدد أطباء الجراحة قرر العودة لغرفة العمليات. يقول: "بدأت الحرب وأنا متطوع أعمل بجد من أجل المرضى المصابين، لأن عدد الجراحين قليل جدًا".

لم يسلم المستشفى العربي الأهلي "المعمداني" من القصف المباشر والاستهدفات المتنوعة في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2023 استهدف الاحتلال الإسرائيلي المستشفى الأهلي العربي،كما  أشارت  وزارة الصحة الفلسطينية إلى استشهاد 500 شخص بالإضافة إلى إصابة المئات ، يعتبر هذا الحادث هو الأكثر دموية في غزة منذ بدء الإبادة الجماعية.

وقد أكدت شهادات الطاقم الطبي في حينها استخدام نوع خاص من القنابل تسبب بإصابات غير مسبوقة، بالإضافة إلى وجود أشلاء وجثث الأطفال والشهداء فوق أبنية المستشفى، حيث قامت الطواقم الطبية بنقل معظم جرحى الاستهداف إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة.

يقول د. أبو عجوة بحسرة وألم " تحولت ساحة المستشفى ومدرجاتها لنهر من الدم ، كنا نستقبل " أشلاء الشهداء" . قذائف المدفعية هزت غرف العمليات ركضنا لمكان الحدث معظمهم أطفال ونساء وشيوخ"

المعمداني تحت الحصار

في 15 نوفمبر 2023، كان المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" المستشفى الوحيد العامل في شمال غزة في ظل الاقتحام البري، وتحول لمحطة إسعاف أولية تستقبل مئات المصابين .

كما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في 16 نوفمبر 2023 أن قوات الاحتلال بما فيها الدبابات فرضت حصاراً كاملا على المستشفى لعدة أيام، كما منعت الطواقم الطبية من إنقاذ الجرحى.

وتواصل الحصار لليوم الثاني 17 نوفمبر على التوالي، وفي 18 نوفمبر لليوم الثالث، وسط قصف وإطلاق نار كثيف، فيما بقيت الطواقم الطبية التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني محاصرة داخل المستشفى وعاجزة عن الوصول إلى الجرحى في الخارج.

يقول د. أبوعجوة بخضم حديثه " عملنا 72 ساعة متواصلة بشكل مكثف دون نوم وطعام ".

رغم الأحزمة النارية التي تعرض لها المعمداني، لم يغلق أبوابه ، و بقى الطاقم الطبي صامدا رغم الاعتداءات العنيفة يغسل الجروح على ضوء الهواتف المحمولة ويعقم الأدوات ببعض المياه الموجودة داخل المستشفى .

كانت العمليات مستمرة ليلًا ونهارًا، لكن الصمود والتحدي الوحيد؛ الطاقم الطبي الذي حاول توفير مقومات البقاء البسيطة لحظة القصف المباشر والحصار.

يضيف في حديثه “كنا نطهو الأرز والخبز داخل المستشفى ليجد الأطباء والمرضى ما يتناولونه، في ظل ظروف الحرب والحصار الذي فرضه الاحتلال ودباباته”

لحظة الاعتقال

18 ديسمبر 2023، التاريخ الخالد في ذاكرة أبو عجوة بكل تفاصيله الدقيقة ؛ بدأ بقصف شارع عمر المختار المحاذي للمستشفى بأحزمة نارية، قبل أن تحاصر قوات الاحتلال "المعمداني" من جميع الاتجاهات وعزله من كل الاتجاهات..

داخل المستشفى كان المرضى والجرحى والأطباء يحاولون الاحتماء بما تبقى من الجدران.

بقي د. أبو عجوة مع عدد قليل من الأطباء داخل غرفة العمليات يجري عملية لطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وحيد لعائلته " أبو الكأس" ، كانت أحشاؤه خارج بطنه،بينما في ساحة المستشفى كان الاحتلال ينادي عبر مكبرات الصوت على الطبيب وباقي الطاقم للخروج، لكنه لم يخرج، واصل عمله وكأن العالم الخارجي ليس له صوت.

يتابع حديثه قائلًا "غلبني الشعور بالإنسانية وتذكرت أطفالي، لذلك بقيت أجري العملية للطفل، والجنود ينادون عبر مكبرات الصوت، لكننا لم نخرج من غرفة العمليات، بقيت حتى تأكدنا أن الطفل أصبح بخير، رغم قلة الأدوية والمستلزمات الأساسية".

بعد انتهاء العملية، اقتحم الجنود غرف العمليات في نفس توقيت انتهاء د. أبو عجوة وطاقمه من العمليه الجراحية، سحبوه من فوق أحشاء الطفل وهو مرتدي زيه الرسمي الملطخ بالدم ، أدرك حينها أن الخطر لم ينتهِ، وأن أطباء الجراحة جزء من أهداف جيش الاحتلال.

اعتُقل د. أبو عجوة أمام عائلته التي نزحت إلى جواره في المستشفى، وأمام نظر المرضى والجرحى، قيد مع بعض الأطباء والممرض الذي كان يعمل معه. لم يعد د. أبو عجوة طبيبًا يقف خلف طاولة العمليات، بل أصبح معتقلًا اقتيد لخارج المستشفى وسط أصوات المرضى والجنود والطائرات، كان يدرك أنه ينفى بعيدًا، لكنه لم يكن يعرف أين منفاه؟!

أثناء الاعتقال

بدأت رحلة الاعتقال مع د. أبو عجوة بكل وحشية، حيث اقتيد هو ومن معه معصوبي العينيْن، مقيدي اليدين والساقين، طُرحوا أرضًا وضُربوا، ووجهت إليهم كلمات مهينة من المحققين، أقلّها "تعال يا حيوان".

يصف د. أبو عجوة مكوثه داخل المعتقل بأنه كان أشبه بالاختطاف على يد عصابة تابعة لجيش الاحتلال، فقد مُنع عنهم الطعام لفترات طويلة، ناهيك عن عدم التحدث أو الهمس مع الآخرين داخل المعتقل، الجلوس على الكرسي وعدم الانحناء، والتعرض للضرب المبرح بشكل مباشر، والتحقيق القاسي والإهانة المستمرة.

يتابع حديثه "أصعب الأيام كانت في معتقل (سدي تيمان)، في غرفة محكمة الإغلاق، أصوات مزعجة على مدار الساعة، أرض مليئة بالحصى، لا تستطيع المشي أو الجلوس أو أداء الصلاة. يرشون الماء البارد في أيام البرد، ولا توجد ملابس سوى لباس السجن الواحد".

يتذكر واقعة حدثت معه في إحدى الصباحات الباردة من صباحات ديسمبر "طلبت من سجاني فرشاة أسنان لأني كنت أعاني من الألم وكسور بسبب الضرب. فأحضر لي فرشاة مرحاض بدلًا منها وانهال عليّ بالضرب مرة أخرى".

وسط كل هذه الظروف القاسية التي مرّ بها د. أبو عجوة إلا أن عائلته كانت كل ما كان يشغل فكره وتفكيره، ثمانية أشهر مرت وهو لا يعرف عنهم شيئًا وهم لا يعرفون عنه شيئًا، كان يتمنى فقط معلومة واحدة تطمئنه أنهم على قيد الحياة. صورة عائلته لحظة اعتقاله رافقته طوال فترة الاعتقال.

وعن تفاصيل اللحظات الأخيرة له في السجن، في يناير، يتذكر "طلبت أن أستحم حتى أتمكن من أداء فروضي، فأجبرني السجان على خلع ملابسي والاستحمام بالماء البارد عند الخامسة فجرًا".

لحظة الإفراج

بين ساعات الظهر والعصر، وُضع د. أبو عجوة في سيارة مغلقة معصوب العينيْن مغطى الرأس مكبل اليديْن، مع مجموعة من الأسرى. كان السائق يتعمد الارتطام بالمطبات، بينما كانت الكراسي الحديدية ساخنة بفعل الشمس.
نُقل مرة أخرى إلى "سدي تيمان"، فظن أن التحقيق سيتجدد، لكن مع صباح اليوم التالي طُلب منهم الصعود في حافلة تابعة للاحتلال بتنسيق من الصليب الأحمر، دون أن يعرف أنه يقترب من الإفراج في الأول من تموز عام 2024 ، وبعد نحو ثمانية أشهر من الاعتقال، فرج عن د.أبو عجوة من السجن ، لم يكن يعرف أن تلك الرحلة ستنتهي به خارج أسوار الاعتقال ، ولا أن أول ما سيبحث عنه بعد نيل الحرية الراحة، بل عائلته ومهنته.

وجد د. أبو عجوة نفسه في دير البلح مطروحًا أرضًا، نهض ولم يكن يعرف أين هو تحديدًا في دير البلح ، لكنه أدرك أنه حر طليق. سألته إلى أين توجه بعد خروجه؟ كانت إجابته واضحة "إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح". صمت قليلًا ثم واصل "لم أنتظر التفكير كثيرًا، سألت المارة بالشارع أين اتجاه مستشفى الأقصى ، وصلت المستشفى و باشرت العمل مباشرة فور خروجي من المعتقل".

ضُرب د. أبو عجوة على ذراعه خلال التحقيق، وما زال أثر الضرب ظاهرًا على معصمه حتى يومنا هذا، أصبح غير قادر على إمساك بعض الأدوات الطبية كما كان، ومن بينها المشرط.

يقول بحزن خافت "أخبرني المحقق الذي ضربني في السجن أنه سيمنعني من مباشرة عملي كجراح. لكنني أخبرته - وأنا أُعذب على يديه - أنني سأعود للعمل مباشرة في حال تم الإفراج". ضحك المحقق بشكل هستيري، ثم عاود ضربه بشكل أعنف.
لكن ما قاله أبو عجوة لم يكن تحديًا، بل وعدًا قطعه على نفسه، استقبلته إدارة مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح بالرحب والسعة، عاد للعمل مباشرة كوسيلة لاستعادة نفسه رغم الألم في يديه وساقيه.

لقاء بعد قرابة العام

بعد الإفراج، ظل عصام لا يعرف أين عائلته ، و أن كانوا بخير. مرّت شهور طويلة من التفكير بهم ، إلى أن جاءه الخبر السار من أحد أقاربه بأن عائلته ما زالت قابعة في شمال غزة، عالقة هناك بفعل الحاجز الذي أقامه جيش الاحتلال وفصل بين شمال القطاع وجنوبه. عندها فقط عرف أن أبناءه وزوجته ما زالوا أحياء يرزقون .

يتابع بخضم حديثه "سمعت صوت ابنتي الكبرى زينب " 13 عاما" ، عبر الهاتف فور حصولي ع رقم المحمول، لم أتمكن من كتم مشاعري، بكيت، وهي انهارت بكاءً".

لدى د. أبو عجوة ابنتان، أكبرهن 18 عامًا، والأخرى 15 عامًا. وله ابنان؛ أحدهما يدرس الطب البشري في غزة السنة الرابعة، والآخر خريج الثانوية العامة لعام 2026 ويطمح لدراسة الطب أيضًا.

في أول هدنة في كانون الثاني 2025، عاد من الجنوب للشمال، والتقى بزوجته وأبنائه لأول مرة، كانت المشاعر مبعثرة ممزوجة بين ألم وحزن وفرح وصدمة. يجلس د. أبو عجوة صامتًا وهو يشد على أصابعه يستذكر اللحظات الصعبة "أصوات الطائرات تعيدني مباشرة إلى صورة المعتقل ولحظة المداهمة. ما زلت أعاني من القلق والخوف، زوجتي تلاحظ تغيري في النوم وتناول الطعام".

الأشياء التي كانت عادية في حياة د. أبو عجوة قبل الاعتقال لم تعد كما كانت، النوم الذي حُرم منه، وطريقة تناوله للطعام، والآلام في ساقيه ويديه، كلها أصبحت روتينه.

يحاول د. أبو عجوة تجاوز الذكريات بالدعاء "كلما تذكرت كيف تعامل المحققون معي ليجعلوني أكره مهنتي، ألجأ إلى الدعاء مباشرة". ما زال يعاني من الكسور والآلام في يديه، ولم يعد قادرًا على إجراء العمليات وحده كما كان، فيما يخضع للعلاج الطبيعي ويحاول أن يعالج نفسه بنفسه.

في مستشفى "المعمداني" يظهر تعلق المرضى بهِ واحترام الطاقم الطبي له، حيث يعتبر شخصية محبوبة وحضوره يمنح الطمأنينة. يتابع "أشعر بالمسؤولية أكثر تجاه المرضى، كأنني في مسابقة تحدٍ"، كل شيء يذكره بالماضي، لكنه لا يسمح له بالانتصار على حاضره.

اقصى لحظات حياته ما هي ؟

عن أقسى لحظاته، يشير إلى لحظة استشهاد صديقه أمام عينيه أثناء أداء عمله، ولم يستطع إسعافه بسبب القذائف التي انهالت عليهم كزخات المطر.
سألته "ماذا لو أتيحت لك فرصة الخروج من غزة للعمل والاستقرار"، ليأتي رده قاطعًا حاسمًا "لا، لن أترك وطني وأرحل. من يرحل هم المحتلون، وليس أصحاب الأرض".

يقف د. أبو عجوة اليوم في غرف العمليات بشكل متواصل، بجسد يحمل آثار الاعتقال والفقد والنزوح، ويد تؤلمه عند إمساك بعض الأدوات، وذاكرة تستعيد أصوات الطائرات والمعتقل؛ لكنه يرتدي معطفه الأبيض إعلانًا للتحدي بأنه لم يخسر مهنته معلقًا صوب عينيه "الطبيب خُلق ليخدم المرضى" رمزا لطبيب يقف لجانب مرضاه".

في ختام حديثه، يؤكد د. عصام أبو عجوة "ما نريده من العالم والمنظمات الدولية هو إنصاف غزة ومنح أهلها حقهم في الحياة. وقف إطلاق النار لم يُنهِ المعاناة؛ المعابر ما زالت مغلقة، والأدوية ناقصة، والقصف والإصابات حاضرة، حيث مئات الحالات المرضية بحاجة تلقي العلاج بالخارج.

تم تنفيذ هذا التقرير المكتوب ضمن مشروع دعم الإعلام في وقت الأزمات المنقذ من شبكة فلسطين بالتعاون مع مشغل فلسطين لصحافة

 

شارك هذا الخبر!