بيروت / PNN/ تقرير وداد جربوع - مع وصول اقتراح قانون الإعلام الجديد إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، بعد إقراره معدّلاً في اللجان النيابية المشتركة، برزت أهمية قراءة هذا الاقتراح من زوايا متعددة، ولا سيّما في ضوء ما يتضمّنه من تعديلات إيجابية تتعلّق بحماية الصحافيين وحقوقهم، وتعزيز حرّية الإعلام، وحماية المصادر الصحافية، ومنع التوقيف الاحتياطي في القضايا المرتبطة بالنشر، وتنظيم الإعلام الإلكتروني.
لكن، إلى جانب هذه الخطوات الإيجابية، لم يحظَ موقع اللاجئ الفلسطيني المقيم في لبنان بالنقاش الكافي ضمن أحكام الاقتراح، على الرغم من المخاوف المتصاعدة داخل الأوساط الفلسطينية، ولا سيّما بين الصحافيين والإعلاميين. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى تفكيك موادّه لتحديد مدى قدرة اللاجئ الفلسطيني على ممارسة العمل الصحافي وامتلاك وسيلة إعلامية أو إدارتها والاستفادة من الحقوق والحمايات التي يوفّرها، فضلاً عمّا قد تفرضه هذه الموادّ من قيود أو إشكاليات تمسّ عمله في المجال الإعلامي.
ولِفهم وضع اللاجئ الفلسطيني في اقتراح قانون الإعلام الجديد، يجب التفريق بين أربع مسائل مختلفة: ملْكية الموقع، وإدارته القانونية، وممارسة العمل الصحافي فيه، والاستفادة من الحماية التي يوفّرها القانون. فالاقتراح لا يعالج هذه المسائل بالطريقة نفسها، إذ قد يسمح لغير اللبناني بامتلاك وسيلة إعلامية، لكنه يفرض عليه قيوداً تتعلّق بإدارتها القانونية، كما أن استفادته من الحقوق المهنية والحماية القانونية قد تتأثّر بتعريف "الإعلامي" وبالقوانين الأخرى المنظّمة للعمل والنقابات.
هل يستطيع الفلسطيني أن يكون مالكاً لموقع إخباري؟
من حيث المبدأ، لا يحظر الاقتراح على اللاجئ الفلسطيني المقيم في لبنان امتلاك موقع إعلامي إلكتروني، شرط استيفاء متطلبات المادة 4 والموجبات التنظيمية والتسجيلية. كما أن إنشاء الموقع لا يخضع، بموجب المادة 62، لموافقة أو ترخيص مُسبق. غير أن جواز الملْكية لا يعني جواز تولّي الصفة القانونية للمدير المسؤول.
لذلك، تظهر المشكلة عند الانتقال من ملْكية الموقع إلى إدارته القانونية. فالمادة 63 تفرض على الموقع الإعلامي الإلكتروني المهني تعيين مدير مسؤول، وتشترط أن يكون هذا المدير إعلامياً لبنانياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية.
وبذلك، يمكن للّاجئ الفلسطيني أن يملك الموقع ويشارك في إدارته التشغيلية والمالية والتحريرية، لكنه لا يستطيع، ولو استوفى الشروط المهنية والأكاديمية، الجمع بين صفة المالك وصفة المدير المسؤول، بل يلتزم بتعيين إعلامي لبناني لتولّي هذه الصفة.
وتأتي هنا أهمية المدير المسؤول. فهو ليس مجرّد موظف إداري أو اسم يُدرج ضمن وثائق الموقع، بل هو الشخص الذي يتولى قانونياً وواقعياً مسؤولية الإشراف على الموادّ الإعلامية. كما يفرض الاقتراح الإفصاح عن اسمه وعنوانه، وعن عنوان الوسيلة الإعلامية الذي تُبلّغ فيه المعاملات الرسمية والمراسلات. غير أن الاقتراح لا يجعله، لمجرّد صفته، الممثل القانوني الحصري للمالك أو المؤسسة أمام الهيئة الوطنية للإعلام أو أمام القضاء.
وقد يُفضي هذا الشرط إلى فصل الإدارة الفعلية عن المسؤولية القانونية: يتولى المالك الفلسطيني تمويل المؤسسة واتخاذ قراراتها الأساسية، بينما يتحمل مدير لبناني المسؤولية القانونية عن المحتوى. وقد يخلق ذلك خلافات حول الصلاحيات، أو يدفع إلى تعيين مدير صوَري، أو يُرتّب تبعية مالية وقانونية تُضعف استقلال المؤسسة. كما قد تؤدي استقالة المدير أو امتناعه عن الاستمرار في موقعه إلى عدم امتثال الموقع للشروط القانونية، في غياب مهلة واضحة لتعيين بديل وتحديد أثر الاستقالة في استمرار العمل.
وبخلاف المحطات التلفزيونية والإذاعية التقليدية، لا يحتاج الموقع الإلكتروني إلى تردّد بثّ تمنحه الدولة، بل يعمل عبر شبكة الإنترنت ولا يشغل مورداً عاماً محدوداً. لذلك لا يوجد مسوّغ تقني أو تنظيمي واضح لاشتراط أن يكون مديره المسؤول لبنانياً، ما دام من الممكن ضمان خضوعه للقانون اللبناني من خلال الإقامة الفعلية ووجود عنوان واضح للتبليغ واستيفاء شروط الكفاءة والمسؤولية القانونية.
ماذا إذا كان الموقع يقدّم بثّاً تلفزيونياً أو إذاعياً؟
لا يُعامَل كل موقع إلكتروني باعتباره محطة تلفزيونية أو إذاعية. فالموقع الذي ينشر الأخبار المكتوبة والصور والفيديوهات المسجّلة يبقى، من حيث الأصل، موقعاً إعلامياً إلكترونياً.
إذا اتّخذ الموقع شكل خدمة بثّ تلفزيوني أو إذاعي عبر الإنترنت، ولا سيّما إذا قدّم جدول برامج محدّداً معدّاً للتلقّي المتزامن من الجمهور، فقد ينطبق عليه تعريف التلفزيون أو الإذاعة الوارد في المادة 39، ويدخل عندئذ ضمن مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع من النوع الأول المنصوص عليها في المادة 40.
وتسمح المادة 8 للأجانب بامتلاك أسهم في بعض الشركات المالكة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، لكنها تضع سقفاً بنسبة 20% للملْكية الأجنبية في وسائل الإعلام التي تبثّ برامج سياسية. لذلك يتوقف وضع الفلسطيني جزئياً على طبيعة المشروع الإعلامي الذي يريد إنشاءه:
مدوّنة شخصية: يستطيع اللاجئ الفلسطيني إنشاء مدوّنة شخصية للتعبير عن آرائه وأفكاره، ولا يُفترض أن يُطلب منه تعيين مدير مسؤول لبناني، لأنها تُصنّف موقعاً إلكترونياً غير مهني.
موقع إخباري إلكتروني مهني: يستطيع امتلاك الموقع، لكنه يكون ملزماً بتعيين مدير مسؤول لبناني وِفقاً للمادة 63.
صحيفة مطبوعة: يستطيع امتلاكها استناداً إلى المادة 4، إلا أن المادة 27 تشترط أن يكون مديرها المسؤول إعلامياً لبنانياً.
تلفزيون أو إذاعة: يخضع المشروع لشروط إضافية تتعلّق بالملْكية والترخيص وشكل الشركة، ويجب أن يكون المدير المسؤول لبنانياً.
تلفزيون إلكتروني يبثّ برامج سياسية: قد يُصنّف ضمن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فيخضع عندئذ لسقف الملْكية الأجنبية البالغ 20% المشار إليه أعلاه.
ممارسة الفلسطيني العمل الصحافي
لا يشترط تعريف "الإعلامي" الوارد في المادة الأولى الجنسية اللبنانية. لذلك لا يمنع نص الاقتراح، بذاته، اعتبار الفلسطيني إعلامياً متى استوفى عناصر التعريف.
لكن اقتراح قانون الإعلام لا يلغي القيود القانونية والتنظيمية التي تحكم عمل غير اللبنانيين. فمن جهة، تعرّف المادة الأولى "الإعلامي" استناداً إلى طبيعة عمله وانتظامه ومصدر دخله، من دون اشتراط الجنسية اللبنانية أو الانتساب إلى نقابة. وبذلك، يمكن أن تنطبق هذه الصفة على الصحافي الفلسطيني متى مارس النشاط الإعلامي بصورة رئيسية ومنتظمة، واستمدّ الجزء الأكبر من موارده منه، سواء عمل مقابل أجر أو لحسابه الخاص.
ومن جهة أخرى، تبقى ممارسة اللاجئ الفلسطيني العمل الصحافي المأجور بصورة نظامية خاضعة للمادة 59 من قانون العمل اللبناني، المعدلة بالقانون رقم 129/2010. فهذه المادة تعفي حصراً الأجير الفلسطيني اللاجئ المسجّل وفقاً للأصول في سجلات وزارة الداخلية والبلديات - مديرية الشؤون السياسية واللاجئين، من شرط المعاملة بالمثل ومن رسم إجازة العمل، من دون أن تعفيه من وجوب الحصول على الإجازة نفسها. كما تحظر المادة 25 من قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه على غير اللبناني مزاولة أي عمل أو مهنة من دون ترخيص من وزارة العمل. أما الصحافي الفلسطيني الذي يعمل فعلياً لحسابه الخاص، من دون علاقة تبعية بمؤسسة إعلامية، فلا يدخل في فئة الأجراء التي خصّها القانون رقم 129/2010 بالإعفاء، وتبقى مزاولته النشاط الصحافي خاضعة، من حيث المبدأ، للقواعد والتصنيفات الإدارية المنظمة لعمل غير اللبنانيين.
وعلى المستوى النقابي، يكرّس اقتراح القانون، في المادة 115هـ، حق الصحافيين، دون تمييز، في تأسيس النقابات أو الانضمام إليها بحرية، ويحظر اتخاذ أي إجراء إداري أو مهني ضد الصحافي بسبب انتمائه أو نشاطه النقابي المشروع. غير أن الاقتراح لا ينظم شروط الانتساب إلى نقابة محرري الصحافة اللبنانية، ولا يذكر صراحة وضع غير اللبنانيين أو اللاجئين الفلسطينيين، كما لا يضع آلية واضحة لمواءمة هذا الحق العام مع شرط الجنسية الوارد في النظام الداخلي الحالي للنقابة. لذلك، لا يمكن الجزم، استناداً إلى الاقتراح وحده، بمدى قدرة الصحافي الفلسطيني على الانتساب إلى نقابة المحررين، ويظل أثر المادة 115 على هذا الشرط محتاجاً إلى مواءمة تشريعية أو تنظيمية أو إلى تفسير قضائي.
الاستفادة من الحماية القانونية
يستفيد الصحافي الفلسطيني، من حيث المبدأ، من عدد من الضمانات المهمة التي يتضمنها الاقتراح، لأن المواد المتعلّقة بالحماية لم تحصر تطبيقها بالصحافيين اللبنانيين.
تنصّ المادة 114 على عدم جواز التوقيف الاحتياطي في الجرائم المرتكبة بواسطة وسائل الإعلام والوسائل الإلكترونية، "أياً كانت صفة أو مهنة الفاعل". وتُعدّ هذه الصياغة واسعة وواضحة، لأنها لا تشترط أن يكون الشخص لبنانياً أو عضواً في نقابة أو صحافياً مسجّلاً أو مديراً مسؤولاً. وبالتالي، إذا تمّت ملاحقة صحافي فلسطيني بسبب مادة نشرها، فيجب أن يستفيد من حظر التوقيف الاحتياطي.
كما تمنح المادة 115 مجموعة من الحقوق لجميع الصحافيين، منها رفض التوقيع على مادة جرى تحريفها، وعدم إلزام الصحافي أو معاقبته بسبب امتناعه عن عمل يتعارض مع ضميره المهني، والحماية من الضغوط والتهديدات، وضمان استقلالية الخط التحريري، والوصول إلى المعلومات، والتنقل لأداء العمل الصحافي، والحماية من الإجراءات المهنية أو الإدارية المرتبطة بممارسة نشاط نقابي مشروع.
وتستخدم المادة عبارات عامة مثل "كل صحافي" و"جميع الصحافيين"، من دون اشتراط الجنسية اللبنانية. لذلك يجب تفسيرها على أنها تشمل الصحافي الفلسطيني وغيره من الصحافيين غير اللبنانيين.
كذلك، تمنح المادة 116 الإعلامي الحق في الحفاظ على سرّية مصادره، وتوسّع نطاق هذه الحماية ليشمل كل من وصلت إليه المعلومة بصفته مشاركاً في عملية الإنتاج الإعلامي أو من هو في حكمه (مثل الطرف الثالث الذي يطّلع على مصادر المعلومات بحكم علاقته المهنية بالشخص الإعلامي)، من دون اشتراط الجنسية. وبذلك، يمكن للصحافي الفلسطيني أن يستفيد من الحماية إما بوصفه إعلامياً، إذا انطبق عليه التعريف، وإما بصفته مشاركاً في الإنتاج الإعلامي.
الإشكالية المتعلّقة بتعريف "الإعلامي"
تُعرّف المادة الأولى "الإعلامي" بأنه الشخص الذي يمارس نشاطاً إعلامياً بصورة رئيسية ومنتظمة، مقابل أجر أو بدل أو لحسابه الخاص، في مؤسسة إعلامية أو أكثر، ويستمدّ الجزء الأكبر من موارده من هذا العمل. وبذلك، لا يكتفي التعريف بطبيعة النشاط الذي يؤديه الشخص، بل يربط اكتسابه صفة "الإعلامي" بانتظام العمل وبكونه مصدر الجزء الأكبر من موارده.
قد يثير هذا التعريف إشكالية بالنسبة إلى الصحافيين المستقلّين والعاملين بصورة متقطعة، ومن بينهم عدد من الصحافيين الفلسطينيين في لبنان. فقد يعمل الصحافي الفلسطيني من دون عقد ثابت، أو يتقاضى أجراً غير منتظم، أو يجمع بين الصحافة وعمل آخر، أو يعمل مصوّراً أو منتجاً أو مراسلاً ميدانياً عند الطلب. وفي هذه الحالات، قد يبرز خلاف حول انطباق تعريف "الإعلامي" عليه، حتى عندما تكون الأعمال التي يؤديها صحافية بطبيعتها.
لذلك، لا يؤدي عدم استيفاء الصحافي شروط تعريف "الإعلامي" الوارد في المادة الأولى إلى حرمانه حكماً من جميع الحمايات التي يوفرها الاقتراح، فبعضها لا يتوقف على ثبوت هذه الصفة، ومنها حظر التوقيف الاحتياطي الذي تقرره المادة 114، بصرف النظر عن صفة الفاعل أو مهنته. أما المادة 116، فتمنح "الشخص الإعلامي" مباشرةً حق الاحتفاظ بسرية مصادره، وتوسّع الحماية من الإلزام بالكشف عن المصدر لتشمل المشاركين في عملية الإنتاج الإعلامي ومن هم في حكمهم. وبذلك، فإن الصحافي الذي لا يستوفي تعريف "الإعلامي" لا يتمتع بهذا الحق استناداً إلى هذه الصفة، لكنه قد يستفيد من الحماية الموسّعة إذا عُدّ مشاركاً في عملية الإنتاج الإعلامي.
وتترتب على عدم ثبوت صفة "الإعلامي" نتيجة أخرى، هي عدم وضوح مدى انطباق الموجبات التي يوجهها الاقتراح صراحةً إلى "كل إعلامي"، ومنها موجبات المادة 98 المتعلقة بحماية الحياة الخاصة والتغطية الإعلامية للقضايا قيد التحقيق ومنع نشر محاضر التحقيق قبل صدور القرار الظني. وقد يكون أثر هذا الغموض أكبر على بعض الصحافيين الفلسطينيين، لا بسبب جنسيتهم في ذاتها، بل لأن القيود القانونية والاقتصادية قد تدفع بعضهم إلى ممارسة العمل الصحافي بصورة متقطعة أو غير رئيسية، أو إلى الجمع بين الصحافة ومصادر دخل أخرى.
خلاصة القول، لا يستبعد الاقتراح اللاجئ الفلسطيني صراحةً من ملْكية الوسائل الإعلامية أو من الحمايات المرتبطة بالنشر، لكنه يُبقي قيوداً غير مباشرة مصدرها شرط الجنسية اللبنانية للمدير المسؤول، وتشابك أحكامه مع قوانين العمل والنقابات. لذلك يُشكّل النقاش النيابي فرصة لإلغاء شرط الجنسية اللبنانية لتولّي صفة المدير المسؤول، وتوسيع تعريف "الإعلامي"، وضمان شمول الحماية جميع العاملين في الإعلام بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني أو نمط عملهم.